في المقدّمة الَّتي مهّدناها ، فكيف يعقل ترقّى الثاني إلى مرتبة الأوّل ، فانّ ذاتيّ الشّيء لا ينفكّ عنه والمعلوليّة والمحدوديّة والافتقار والنقصان من لوازم ذات الممكن فكيف يتصوّر أن يلقى الممكن إنيّته على اصطلاحهم ويصل إلى مرتبة الواجب .
مع أنّ إنيّته ليس إلَّا تعيّنه بماهيّته وبعد ارتفاع التّعين والتّحدّد لا يبقى ماهيّة ولا وجود ، فلا يكون هناك شيء أصلا .
وكذلك إذا كان الواجب تعيّنه بذاته وبكنهه ومنزّها عن الحدود لكونه صرف الوجود وكان تامّا فوق التمام كان مباينا للممكن غاية البينونة كما قال الرّضا عليه السّلام في الحديث المرويّ عنه في الكافي : مباينته إيّاهم مفارقته إنيّتهم ، فكيف يتوّهم كونه ساريا في الموجودات .
وهؤلاء الجهلة لمّا سمعوا أنّ الواجب وجود خال من جميع الحدود والقيود ، وأنّ الوجود مفهوم واحد نقيض العدم ، فتوهّموا أنّ الوجود الخالي من جميع القيود هو الوجود المطلق لا بشرط التعيّن وعدم التعيّن ، فيجتمع مع جميع التعيّنات الامكانية ، ويكون عين حقيقة كلّ ممكن .
وهذا التوهّم من الفساد بمكان لأنّ معنى خلوّ الواجب من القيود ، هو خلوّه من التعيّنات الامكانية لا من مطلق التعيّن ولو بذاته ، فتعيّنه سبحانه بوجوب وجوده الذي هو عين ذاته فعلى هذا يكون طرد الحدود والتعيّنات الامكانية محالا ، وليس معنى خلوّه منها كونه مبهما ساريا في التعيّنات مثل سريان الكلَّيات في مصاديقها الخارجيّة المتعينة .
وبعبارة أوضح أنّ الواجب مع قطع النظر عن الحدود والتعيّنات إمّا مبهم أو متعيّن .
أمّا الأوّل فتحقّقه محال بالضّرورة ، لأنّ الشيء ما لم يتشخّص لم يوجد ومن هنا قالوا إنّ الكليّ الطبيعي أمر مبهم لا يمكن تحقّقه في الخارج إلَّا بضمّ التعيّنات وتشخّصات الأفراد .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 158
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٥٨