تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
وهو كما ترى نصّ صريح مثل الاخبار الآتية الواردة من معادن القدس والطهارة في أنّ مباينته لغيره بنفس ذاته . فلا يتّصف بالماهيّة ولا بالوجود بالمعنى المتصوّر في الممكن ، بل إذا قلنا إنّه موجود ووصفناه بالوجود فهو بمعنى اعلا ممّا يتصوّره العقل ، وهكذا إذا وصفناه بالعلم والحياة وساير الصفات الثبوتيّة وهو معنى ما ورد في غير واحد من الأخبار الكثيرة من أنّه سبحانه شيء لا كالأشياء فوصفه بأنّه شيء من ضيق المجال والخروج من حدّ التعطيل ، وبأنّه لا كالأشياء للتّنزيه والتقديس ونفى التشبيه والإشارة إلى كونه باينا من الأشياء وكونها باينة منه بنفس ذاته المقدّسة . والحاصل أنّه تعالى ممتاز عمّا سواه بذاته ، والوجود عين ذاته ، والوجود الَّذى له عزّ وجلّ ليس بالمعنى الذي لها كيف والوجود الذي لغيره أمر بديهىّ يعرفه الكلّ كساير البديهيّات ، والوجود المخصّص به لا يدركه بعد الهمم ولا يناله غوص الفطن ، وغاية معرفتنا بذاته أنّا لا نعرف ذاته بيان ذلك أنّ كلّ مدرك بإحدى القوى والحواسّ ظاهريّة كانت أو باطنيّة وكلّ ما تدركه المشاعر صورة كانت أو معنى فهو محدود متمثّل تحدّه الحواسّ وتمثّله الأفكار ، وكلّ ما هو كذلك فهو مخلوق مثلنا مصنوع بفكرنا ، وخالق الأشياء منزّه عنه فنعرف ذاته بأنّا لا نعرف ذاته إذ غاية ما يحصل لنا من الآثار والأفعال كونه مبدء لتلك الآثار والأفعال صانعا لها ، ومن ذلك يحصل الجزم بوجوده تعالى . إذ لو لم يكن موجودا ثابتا لكان معدوما منفيّا إذ لا مخرج منهما ولا واسطة بين النّفى والاثبات والوجود والعدم . ويلزم من عدمه أن لا يكون في الوجود شيء أصلا واللَّازم باطل بالبديهة فكذا الملزوم ووجه الملازمة أنّ الكلّ مفتقر في وجوده إليه فما هو معدوم في نفسه كيف يكون مفيضا للوجود فثبت بذلك أنّه موجود ممتاز بذاته عمّا عداه ، هذا .