الشمس الَّذي به يضيء كلّ شيء وهو مستغن عن غيره لو كان لضوئها قيام بنفسه ولكنّه يغاير الأوّل تعالى بأنّ الضوء فيها يحتاج إلى موضوع وهو محسوس ، والوجود الأوّل لا موضوع له ولا محسوس ، بل معقول لذاته وعاقل وعقل لذاته ولما سواه من الأنوار العقلية القاهرة والمدبّرة وساير الصّور والأجرام وعوارضها والوجودات الفايضة منه كالأنوار والمهيّات التابعة لها كالظلال والأجسام كالظلمات ، وللَّه المثل الأعلى في السماوات . إلى غير ذلك ممّا لا نطيل بنقله .
وقال بعضهم :
كلَّما في الكون وهم أو خيال
أو عكوس في المرايا أو ظلال
وقال عامر بن عامر البصري وهو من صوفيّة الشيعة كما في مجالس المؤمنين في مفتتح قصيدته الَّتي سماها ذات الأنوار في معنى الوحدة الصرفة : إنّ ذلك ليس بحلول كما ظنّه بعض المتوّهمين ، وذلك لأنّ الحلول يقتضى وجود شيئين أحدهما حالّ والثاني محلّ ، وليس الأمر كذلك عند فحول المتوحّدين ، بل عندهم أنّ الواحد المطلق من كلّ الوجوه لا يبقى سواه ، وهو ظاهر بالكلّ للكلّ ، ولكلّ فرد من أفراد كثرته الدّاخلة في حقيقة وحدته نصيب من عين تلك الوحدة ، ولا خروج له عنها ولا انعدام يطرى على شيء ثمّ شرع في القصيدة المسمّاة بذات الأنوار وقال في مطلعها :
تجلَّى لي المحبوب في كلّ وجهة
فشاهدته في كلّ معنى وصورة
وخاطبني منى بكشف السرائر
تعالت عن الأغيار لطفا وجلَّت
فقال أتدري من أنا قلت أنت يا
مناي أنا إذ كنت أنت حقيقتي
فقال كذاك الأمر لكنّما إذا
تعيّنت الأشياء بي كنت نسختي
فأوصلت ذاتي باتّحادى بذاته
بغير حلول بل بتخصيص نسبة
فصرت فناء في بقاء مؤبّد
لذات بديموميّة سرمديّة
إذا رمت إثباتا لانيّتي محا
هواه وجودي محوة أىّ محوة
فيأخذني منّى فأصبح سائلا
لنفسي عن نفسي حضورا لغيبة