والحاصل أنّ الصوفية على زعمهم وادّعائهم لما شاكلت حالهم حال أهل الصفة لكونهم مجتمعين متألَّفين مصاحبين للَّه وفي اللَّه قديما وحديثا في الرّبط والزّوايا قيل لهم : صوفيّة ، وهذا وإن كان لا يستقيم من حيث الاشتقاق اللَّغوى إلَّا أن يراعى فيه الخفّة على اللَّسان ، ولا بأس به من حيث المعنى .
الرابع أنّ هذه النسبة إلى صوفة كما يقال : الكوفي للمنتسب إلى كوفة ، وبني صوفة جماعة من العرب كانوا يتزهّدون ويتقلَّلون من الدّنيا ، فنسب هذه الطايفة إليهم ، وفي القاموس صوفة أبو حىّ من مضر ، وهو الغوث بن مرّ بن ارّ بن طابخة كانوا يخدمون الكعبة ويجيزون الحاجّ في الجاهلية أي يفيضون بهم من عرفات ، أوهم قوم من أفناء القبائل تجمّعوا فتشبّكوا كتشبّك الصّوفة ، وكذا في الصحاح وغيره من كتب اللَّغة .
المقام الثاني في ابتداء ظهور هذه الطايفة على اختلاف الأقوال والروايات
فأقول : قال المحدّث الجزايرىّ : إنّ هذا الاسم وهو التّصوّف كان مستعملا في فرقة من الحكماء الزّايغين عن طريق الحق ، ثمّ قد استعمل بعدهم في جماعة من الزنادقة أي من الهنود والبراهمة ، وبعد مجيء الاسلام استعمل في جماعة من أهل الخلاف كالحسن البصري وسفيان الثّورى وأبي هاشم الكوفي ونحوهم ، وقد كانوا في طرف من الخلاف مع الأئمة عليهم السّلام ، فانّ هؤلاء المذكورين قد عارضوا الأئمة وباحثوهم وأرادوا إطفاء نور اللَّه بأفواههم واللَّه متمّ نوره ولو كره الكافرون إلى أن قال : وقد استمرّ الحال إلى هذه الأعصار وما قاربها .
ثمّ إنّ جماعة من علماء الشّيعة طالعوا كتبهم واطلعوا على مذاهبهم فرأوا فيها بعض الرّخص والمسامحات مثل قولهم ، بأنّ الغناء المحرّم هو الذي يستعمل في مجالس أهل الشرب وأهل الفسوق ، فأباحوا أفراد الغناء وأنواعه لمتابعيهم وكانوا
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 138
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٣٨