تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
فأقول وباللَّه التوفيق : المشهور بين أصحابنا بل كاد أن يكون اجماعا أنّ الكفّار مكلَّفون بفروع العبادات كما أنّهم مكلَّفون بأصول الاعتقادات وهو مذهب جمهور العامّة أيضا ، ولم ينقلوا فيها خلافا إلَّا عن أبي حنيفة ولم أجد منّا مخالفا أيضا إلَّا شرذمة من الأخباريّة كالأمين الأسترآبادي وصاحب الحدائق وصاحب الوافي ، وهو الحقّ الموافق للتحقيق ، واستدلّ له بوجوه : الأول عموم الأدلَّة على التكاليف مثل قوله تعالى * ( وما خَلَقْتُ الْجِنَّ والإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) * وقوله * ( ولِلَّه عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ) * وقوله * ( يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ) * و * ( يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ) * وغيرها ، فانّها يشمل الكافر مثل شمولها للمؤمن . والاعتراض عليه بحملها على المؤمنين حملا للمطلق على المقيّد والعامّ على الخاصّ كما في الحدائق فاسد ، لما تطلع عليه عند ذكر أدلَّة الخصم . الثاني أنّ الكفر لا يصلح للمانعيّة حيث إنّ الكافر متمكَّن من الاتيان بالايمان أوّلا حتّى يصير متمكَّنا من الفروع . واعترض عليه صاحب الحدائق أيضا بأنّه مصادرة محضة . وفيه مع عدم كونه مصادرة لأنّ المدعى أنّ الكفّار مكلَّفون بالعبادات ومخاطبون بها ، والدّليل أنّ ما زعمه الخصم مانعا من توجّه الخطاب عليهم ومن الاتيان بها على الوجه الصحيح وهو الكفر لا يصلح للمانعيّة فكيف يكون مصادرة . ومحصّله أنّ ما دلّ على التكليف بالفروع عام ولا يمنع من ذلك عدم التمكن من الصحيح حال الكفر لأنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار ، على أنّ الايمان من شرايط الوجود الَّتي يجب تحصيلها على المكلَّف لا شرايط الوجوب ، فلا مانع من التكليف حال عدمها مع التمكَّن منها . الثالث قوله تعالى * ( لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ) * فانّه حكاية عن الكفّار وأنّهم علَّلوا دخولهم النّار بتركهم للصّلاة على ما تقدّم تفصيله سابقا .