( وأنتم بنو سبيل على سفر من دار ليست بداركم ) شبّههم بأبناء السبيل تنبيها على أنّ كونهم في هذه الدّار بالعرض وأنّ وطنهم الأصلي هو الدّار الآخرة وأنهم مسافرون إليها .
( و ) قوله ( قد أوذنتم منها بالارتحال وأمرتم فيها بالزاد ) قد تقدّم في شرح المختار الثالث والستّين وغيره توضيح معنى الفقرة الأولى ، ومرّ غير مرّة أنّ المراد بالزاد الَّذي أمروا بأخذها هو التقوى قال عزّ وجلّ * ( « الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ » ) * والغرض من هاتين الفقرتين وسابقتهما التنفير عن الدّنيا والترغيب إلى الأخرى وتنبيه المخاطبين من نوم الغفلة والجهالة وإرشادهم إلى الاستعداد وتهيئة الزاد لسلوك مسالك الآخرة .
وبيان ذلك بلسان الرمز والإشارة أنّ للَّه تعالى عالمين : عالم الدّنيا وعالم الآخرة ونشأتين : الغيب والشهادة والملك الملكوت ، وأنّ الناس في مبدء تكوّنهم مخلوقون من موادّ العالم الأسفل ولهم الارتقاء بحسب الفطرة الأولى الَّتي فطر الناس عليها إلى جوار اللَّه سبحانه قاله سبحانه برحمته وعنايته ، خلق الأنبياء وبعثهم ليكونوا هداة الخلق إلى معادهم وقوادهم في السفر إليه وسابقوهم إلى منازلهم ، كرؤساء القوافل وأنزل الكتب ليعلَّمهم ويبيّن لهم كيفيّة السفر والارتحال وأخذ الزاد والراحلة وتعريف الأحوال عند الوصول إلى منازلهم في الآخرة .
والخلق ما داموا في الدّنيا ولم يصلوا إلى أوطانهم الأصليّة ، فهم في الظلمات على حالات متفاوتة مختلفة ، فمنهم نائمون ، الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا ، الدّنيا منام والعيش فيها كالأحلام ، ومنهم موتى لقوله تعالى * ( « أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ » ) * .
فمن مات عن هذه الحياة المجازية الموسومة باللَّعب واللَّهو كما قال تعالى * ( « إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ » ) * فقد انتبه عن نوم الغفلة وحىّ بالحياة الأبديّة .
فانّ الموت على ضربين أحدهما الارادى المشار إليه بقوله عليه السّلام : موتوا قبل أن تموتوا ، والاخر الطبيعي وإليه الإشارة بقوله تعالى : * ( « أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ » ) * .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 397
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٩٧