* ( « كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَيَبْقى وَجْه ُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرامِ » ) * فالبدو والرّجوع متقابلان قال تعالى * ( « يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ » ) * فالعدم الخاصّ الأوّل للانسان هو الجنّة الَّتي كان فيها أبونا آدم عليه السّلام وأمّنا حوّا ، والوجود بعد العدم هو الهبوط منها إلى الدّنيا * ( « اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً » ) * والعدم الثاني من هذا الوجود هو الفناء في التّوحيد ، والأوّل هو النزول والهبوط ، والثاني هو العروج والصّعود ، والبداية النزول عن الكمال إلى النقص ، والنهاية المعاد من النقصان إلى الكمال واليه الإشارة بقوله * ( « ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي » ) * هذا .
ولما أمر عليه السّلام بالمبادرة إلى المعاد والمسابقة إلى الآجال علَّله بقوله ( فانّ الناس يوشك أن ينقطع بهم الأمل ويرهقهم الأجل ) يعني أنه تقريب انقطاع آمالهم الخادعة ومفاجاة آجالهم المستورة ( و ) أن ( يسدّ عنهم باب ) الإنابة و ( التوبة ) ومن كان هذا شأنه فلا بدّ أن يتّقى ربّه وينصح نفسه ويقدّم توبته ويغلب شهوته ويستغفر من خطيئته ويستقيل من معصيته ، فانّ أجله مستور عنه وأمله خادع له ، والشيطان موكَّل به يزيّن له المعصية ليركبها ويمّنيه التوبة ليسوّفها حتّى يهجم منيته عليه أغفل ما يكون عليها .
( فقد أصبحتم في مثل ما سأل إليه الرّجعة من كان قبلكم ) أي أصبحتم في حال الحياة والصحّة وسلامة المشاعر والقوى والبنية وساير الأسباب الَّتي يتمنّى من كان قبلكم الرجعة إليها لتدارك ما فات واصلاح الزلَّات والهفوات ، وقال : * ( « رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ » ) * ، ولكنّهم قد حيل بينهم وبين ما يشتهون وقيل * ( كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) * .
فالان والخناق مهمل ، والروح مرسل ، في راحة الأجساد ، وباحة الاحتشاد وانتظار التوبة ، وانفساح الحوبة ، لا بدّ من اغتنام الفرصة والإنابة من الخطيئة قبل الضنك والضيق ، والرّوع والزهوق ، وقبل أن يروع من الرّجعة ويعظم الحسرة
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 396
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٩٦