تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
و ( الخالق من غير منصبة ) يعني أنه خالق للمخلوقات بلا آلات وأدوات فلا يلحقه ضعف وتعب واعياء ونصب . وانما ( خلق الخلايق ب ) نفس ( قدرته ) الباهرة ومشيّته القاهرة المضمرة بين الكاف والنون ، فأمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ( واستعبد الأرباب بعزّته ) أي طلب العبوديّة من السادات والملوك بقهره وغلبته ( وساد العظماء بجوده ) إذ كلّ عظيم فهو بمقتضا امكانه داخر عند وجوده مفتقر إلى إفاضته وجوده . ( وهو الَّذي أسكن الدّنيا خلقه ) وبثّ فيها من كلّ دابّة ( وبعث إلى الجنّ والانس رسله ) بمقتضى اللَّطف والحكمة وواتر إليهم أنبيائه ( ليكشفوا لهم عن غطائها ) ويرفعوا عنها سترها وحجابها ويسفروا عن وجهها نقابها ( وليحذروهم ) منها و ( من ضرّائها ) وليرغبوهم في الآخرة وفي سرّائها ( وليضربوا لهم أمثالها ) . لأنّ أكثر الأفهام لما كانت قاصرة عن إدراك ماهيّات الأشياء إلَّا في موادّ محسوسة جرت عادة اللَّه سبحانه وعادة رسله وأنبيائه في تبليغ الأحكام وبيان التكاليف والكشف عن ماهيّات الأشياء على ضرب الأمثال تقريبا للأفهام حسبما عرفت توضيح ذلك في شرح الفصل الثالث من المختار المأة والاثنين والسبعين . ولما كان عمدة الغرض من بعث الرّسل والأنبياء هو جذب الناس إلى طرف الحقّ ، وكان حصول ذلك الغرض موقوفا على التنفير عن الدّنيا والترغيب إلى الأخرى لا جرم أكثروا لها من الأمثال المنفرة ، فشبّهوها في وقاحتها وقباحتها بالعجوز الهتماء الشمطاء ، وفي سرعة الفناء والانقضاء بالظلّ الزائل والضوء الافل ، وفي حسن صورتها وقبيح باطنها بالحيّة اللَّين مسّها والقاتل سمّها إلى غير هذه من الأمثال المضروبة لها في الكتاب العزيز والأخبار وكلمات الأنبياء والأولياء الأخيار ، وقد مضت جملة من تلك الأمثال في شرح الفصل الثاني من المختار الثاني والثمانين . ( وليبصّروهم عيوبها ) حتّى يشاهدوا معايبها ويروا معاطبها ويعلموا أنّها وإن كانت يونق منظرها إلَّا أنها يوبق مخبرها مع تضمّنها لقرب الزيال وازف الانتقال وعلز القلق وألم المضض وغصص الجرض .