( وليهجموا عليهم بمعتبر من تصرّف مصاحّها واسقامها ) أي ليدخلوا عليهم على حين غفلة منهم بما يوجب عبرتهم من تقلَّباتها وتصرّفاتها على أهلها بالصحّة والسقم واللَّذة والألم ، فعن قليل ترى المرحوم مغبوطا ، والمغبوط مرحوما وترى أهلها يمسون ويصبحون على أحوال شتّى ، فصحيح مشعوف بها مشغول بزخارفها ، ومريض مبتلا ، وميّت يبكى ، وآخر يعزّى ، وعائد يعود ، وآخر بنفسه يجود ، فانّ في ذلك تذكرة وذكرى وعبرة لأولي النهى إذ على أثر الماضي يمضى الباقي ، وسبيل السلف يسلك الخلف . وقوله ( وحلالها وحرامها ) قال الشارح المعتزلي يقول عليه السّلام ليدخلوا ( 1 ) عليهم بما في تصاريف الدّنيا من الصحّة والسقم وما أحلّ وما حرّم على طريق الابتلاء به . وقال الشارح البحراني بعد ما وافق الشارح المعتزلي في هذا المعنى : ويحتمل أن يكون عطفا على أسقامها باعتبار أنّ الحلال والحرام من تصاريف الدّنيا ، وبيانه أنّ كثيرا من المحرّمات لنبيّ كانت حلالا من نبيّ قبله وبالعكس ، وذلك تابع لمصالح الخلق بمقتضى تصاريف أوقاتهم وأحوالهم الَّتي هي تصاريف الدّنيا . انتهى أقول : وأنت خبير بأنّ هذين المعنيين وإن كانا يصحّحان كون الحلال ( 2 ) والحرام مما هجم به الأنبياء وكونهما ( 3 ) من تصاريف الدّنيا إلَّا أنهما على هذين لا يكونان مما يوجب العبرة كما لا يخفى وقد جعلهما بيانا لقوله معتبر فلا بدّ أن يكون المعنى دخولهم على الأمم وتذكيرهم بتصاريف الحلال والحرام على وجه يوجب الاعتبار مثل أن يذكروهم : بأنّ الاكتساب من الحلال يوجب في الدّنيا زيادة المال وبركة له ، وفي الآخرة يصون من غضب الرّب ، والاقتحام في الحرام يورث في الدّنيا تلف المال وذهابه ، وفي الآخرة يعقّب الحسرة والندامة والعطب .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 379
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٧٩
هامش
( 1 ) فيكون حلالها على هذا الاحتمال عطفا على تصرّف ( منه ) .
( 2 ) هذا ناظر إلى الاحتمال الأول الَّذى وافق عليه الشارحان ( منه ) .
( 3 ) هذا ناظر إلى الاحتمال الثاني الذي تفرّد به الشارح البحراني ( منه ره ) .