مضى هناك أنموذج من وصف الملائكة يتحيّر فيه العقول ويدهش الافهام ويقشعرّ الجلود فكيف إذا أريد البلوغ إلى غاية أوصافهم .
وقوله ( في حجرات القدس ) أي منازل الطهارة عن العلاقات العنصريّة ومقارّ التنزّه عن تعلَّقات النفس الأمّارة .
وقوله ( مرجحنّين ) أي خاضعين تحت سلطانه وعظمته وقال العلَّامة المجلسي ( ره ) أي ما يلين إلى جهة التحت خضوعا لجلال الباري عزّ سلطانه ، ويحتمل أن يكون كناية عن عظمة شأنهم وازانة قدرهم أو عن نزولهم وقتا بعد وقت بأمره تعالى .
حالكونهم ( متولَّهة عقولهم ) أي متحيّرة متشتّتة ( أن يحدّوا أحسن الخالقين ) أي يدركوا حقيقته بحدّ ويعرفوا كنه ذاته سبحانه وهو نظير قوله عليه السّلام في الفصل التاسع من المختار الأوّل : لا يتوهّمون ربّهم بالتصوير ، ولا يجرون عليه صفات المصنوعين ، ولا يحدّونه بالأماكن ، ولا يشيرون إليه بالنظاير .
ولما نبّه على عجز العقول عن وصف كماله أردفه بالتنبيه على ما يدرك من جهة الوصف فقال ( وانما يدرك بالصفات ) ويعرف بالكنه ( ذوو الهيئات والأدوات ) والجوارح والآلات الَّتي يحيط بها الأفهام ، فيدركون ويعرفون من جهتها .
( و ) كذا يدرك ( من ينقضي إذا بلغ أمد حدّه بالفنا ) أي من ينقضي ويفنى إذا بلغ غايته ، فإنه تقف الأفهام عليه وتحلَّله إلى أجزائه فتطلع على كنهه ، فأمّا اللَّه سبحانه فلتنزّهه عن الهيئات والصّفات الزائدة ووجوب وجوده وعدم امكان تطرّق الفناء والعدم عليه ، فيستحيل الاطلاع على كنه ذاته وحقيقة صفاته .
ثمّ عقّب ذلك التنزيه بالتوحيد وقال : ( فلا إله إلَّا هو أضاء بنوره كلّ ظلام وأظلم بظلمته كلّ نور ) لا يخفى حسن المقابلة والتطبيق بين القرينتين .
والنور والظلام في القرينة الأولى يحتملان المحسوس وغيره ، فان أريد به الظلام المحسوس فالمراد إضاءته بأنوار الكواكب والنيرين ، وإن أريد به الظلام المعقول أعنى ظلمة الجهل فالمراد إضاءته بأنوار العلم والشرائع .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 323
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٢٣