تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 312

مساهمون:

ص٣١٢
أحدهما أنّه ليس بملك لأنّه عطف عليه الملائكة فقال : والملائكة من خيفته . والثاني أنّه لا يبعد أن يكون من جنس الملائكة وإنما حسن إفراده بالذكر على سبيل التشريف كما في قوله : * ( وَمَلائِكَتِه ِ وَرُسُلِه ِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ ) * ، وفي قوله : * ( وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ ) * . القول الثاني أنّ الرّعد اسم لهذا الصوت المخصوص ومع ذلك فانّ الرّعد يسبّح اللَّه سبحانه ، لأنّ التسبيح والتقديس وما يجرى مجراها ليس إلَّا وجود لفظ يدلّ على حصول التنزيه والتقديس للَّه سبحانه وتعالى ، فلما كان هذا الصّوت دليلا على وجود موجود متعال عن النقص والامكان كان ذلك في الحقيقة تسبيحا وهو معنى قوله : * ( وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه ِ ) * . والقول الثالث أنّ المراد من كون الرّعد مسبّحا أنّ من يسمع الرّعد فانّه يسبّح اللَّه تعالى ، فلهذا المعنى أضيف هذا التسبيح إليه . ( و ) لا يعزب عنه ( ما تلاشت ) واضمحلَّت عنه ( بروق الغمام ) يعني أنّه سبحانه عالم بالأقطار التي يضمحلّ عنها البرق بعد ما كانت مضيئة به ، وتخصيص ما تلاشت عنه بالذكر مع اشتراك غير المتلاشية عنه معه في إحاطة علمه سبحانه به كالأوّل ، لأنّ علمه بما ليس بمضيّ بالبرق أعجب وأغرب ، وأمّا ما هو مضىّ به ولم يضمحل عنه فيمكن إدراك غيره سبحانه له من أولى الأبصار الصحيحة ، هذا . وأعجب من ذلك ما في نفس البرق من عظيم القدرة ودلالته على عظمة بارئه . قال الفخر الرازي : واعلم أنّ أمر الصاعقة عجيب جدّا ، وذلك لأنّها نار تتولَّد من السحاب وإذا نزلت من السحاب فربما غاصت في البحر وأحرقت الحيتان في قعر البحر والحكماء بالغوا في وصف قوّتها ، ووجه الاستدلال أنّ النار حارّة يابسة وطبيعتها ضدّ طبيعة السحاب ، فوجب أن تكون طبيعتها في الحرارة واليبوسة أضعف من طبيعة النيران الحادثة عندنا ، لكنه ليس الأمر كذلك ، فإنها أقوى نيران هذا العالم ، فثبت أنّ اختصاصها بمزيد تلك القوّة لا بدّ وأن يكون بسبب تخصيص الفاعل