في الدّين ودعاهم اليه إذ أنزل كتابا يحتمل التأويل وسنّ نبيّه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم سنّة تحتمل التأويل وأمرهم بالعمل بهما ، فكأنّه قال : تأوّلوا واعملوا ، وفي ذلك إباحة العمل بالمتناقضات والاعتماد للحقّ وخلافه ، فلمّا استحال ذلك على الله عزّ وجلّ وجب أن يكون مع القرآن والسّنّة في كلّ عصر من يبيّن عن المعاني الَّتي عناها الله عزّ وجلّ في القرآن بكلامه دون ما يحتمل ألفاظ القرآن من التأويل ، ويبيّن عن المعاني الَّتي عناها رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في سنّته وأخباره دون التأويل الَّذي يحتمله الأخبار المرويّة عنه المجمع على صحّة نقلها ، وإذا وجب أنّه لا بدّ من مخبر صادق وجب أن لا يجوز عليه الكذب تعمّدا ، ولا الغلط فيما يخبر به عن مراد الله عزّ وجلّ وعن مراد رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم في اخباره وسنّته ، وإذا وجب ذلك وجب أنّه معصوم ، انتهى كلامه رفع مقامه .
فقد ظهر بذلك أنّه لا يتصوّر منهم الاختلاف في شرائع الدّين لا من أحدهم للآخر ولا من كلّ منهم فيما يصدر عنه من الأحكام المتعدّدة كما ظهر به وجوب الرجوع في فهم مرادات الكتاب والسّنّة إليهم حسب ما نبّه عليه أمير المؤمنين عليه السّلام بقوله آنفا : فالتمسوا ذلك من عند أهله ، فافهم واغتنم .
( فهو ) أي الدّين بينهم ( شاهد صادق ) أي شاهد صدق يشهد على اتّفاقهم فيه وعدم اختلافهم وخلافهم له ( وصامت ناطق ) أي ساكت باعتبار كونه أمرا عرضيّا اعتباريّا لا وجود له في الأعيان ، وناطق باعتبار افادته لكونهم ملازمين له ومتّفقين عليه وإنبائه عن أنّهم على الحقّ والحقّ معهم ، هذا .
وما ذكرناه في تفسير هاتين الفقرتين أظهر وأولى ممّا قاله الشارح البحراني حيث قال : وقوله : شاهد صادق أي شاهد يستدّلون به على الأحكام والوقائع النّازلة بهم وبغيرهم لا يكذّب من حيث هو شاهد ، وصامت ناطق لكونه حروفا وأصواتا ، وإنما ينطق بألسنتهم فهو بمنزلة النّاطق ، انتهى .
قال الشّارح المعتزلي : فالدّين بينهم شاهد صادق يأخذون بحكمه كما يأخذ
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 80
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٨٠