فلو صرف زمانه المصروف إلى ذلك في الطَّاعات والمناجاة لعظم أجره وكثر ربحه التاسعة صحّة البدن والسّلامة من الأمراض ، فانّ سببها كثرة الأكل وحصول فضلة الأخلاط في المعدة والعروق .
روى إنّ سقراط الحكيم كان قليل الأكل فقيل له في ذلك : فأجاب إنّ الأكل للحياة وليس الحياة للأكل .
قال المحدّث الجزائري في زهر الرّبيع : ورد في الحديث أنّ حكيما نصرانيّا دخل على الصّادق عليه السّلام فقال : أفي كتاب ربّكم أم في سنّة نبيّكم شيء من الطَّب فقال : أمّا في كتاب ربّنا فقوله تعالى * ( « كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا » ) * وأمّا في سنّة نبيّنا : الاسراف في الأكل رأس كلّ داء والحمية منه رأس كلّ دواء ، فقام النّصراني وقال : واللَّه ما ترك كتاب ربّكم ولا سنّة نبيّكم شيئا من الطبّ لجالينوس قال : روي عنه عليه السّلام أنه لو سئل أهل القبور عن السّبب والعلَّة في موتهم لقال أكثرهم التّخمة ، فعلم من ذلك أنّ عمدة السبب للمرض هو كثرة الأكل وممانعة المرض من العبادات وتشويشه للقلب ومنعه من الذّكر والفكر وتنغيصه للعيش معلوم .
العاشرة خفّة المؤنة ، فانّ من اعتاد قلَّة الأكل كفاه القليل من الطعام واليسير من المال ، بخلاف من تعوّد البطنة ، فانّ بطنه صار غريما له آخذا بخناقه في كلّ يوم وليلة ، فيلجاه إلى أن يمدّ عين الطمع إلى الناس ، ويدخل المداخل فيكتسب إما من الحرام فيعصى ، أو من الحلال فيحاسب .
هذا كله مضافا إلى ما في قلَّة الأكل من التمكَّن من الايثار والتصدّق بفاضل قوته على الفقراء والمساكين ، فيكون يوم القيامة في ظلّ صدقته ، وقد تقدّم في شرح الخطبة المأة والتاسعة في فضايل الصوم والصدقة ما يوجب زيادة البصيرة في هذا المقام فليتذكَّر .
ثم إنه بقي الكلام في مقدار قلَّة الأكل ، وقد عيّنه النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله فيما رواه عنه في عدّة الدّاعي قال : ويروى عنه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أنه قال : حسب ابن آدم لقيمات يقمن
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 399
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٩٩