وآفات الشّبع على ما يستفاد من الأخبار ويدلّ عليه الوجدان والتجربة فأقول : قال الغزالي في إحياء العلوم ما ملخّصه ببعض تصرّف وتغيير منّا : إنّ في الجوع عشر فوايد .
الفائدة الأولى صفاء القلب وإيقاد القريحة وإنفاذ البصيرة ، فانّ الشّبع يورث البلادة ويعمى القلب ويكثر البخار في الدّماغ شبه السّكر حتّى يحتوي على معادن الفكر ، فيثقل القلب بسببه عن الجريان في الأفكار وعن سرعة الادراك قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : أحيوا قلوبكم بقلَّة الضّحك وقلَّة الشّبع ، وطهّروها بالجوع تصفو وترق .
وقال لقمان لابنه : يا بنىّ إذا امتلائت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة .
الثانية رقّة القلب وصفائه الَّذي به يتهيّأ لادراك لذّة المناجاة والتّأثر بالذّكر ، فكم من ذكر يجرى على اللَّسان ولكنّ القلب لا يلتذّ به ولا يتأثّر حتّى كأنّ بينه وبينه حجابا من قسوة القلب ، وإنّما يحصل التّلذّذ والتّأثّر بخلوّ المعدة كما هو معلوم بالتّجربة .
الثالثة الانكسار والذّل وزوال البطر والأشر والفرح الَّذي هو مبدء الطغيان والغفلة عن اللَّه كما قال تعالى * ( « إِنَّ الإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآه ُ اسْتَغْنى » ) * فلا تنكسر النّفس ولا تذلّ بشيء كما تذلّ بالجوع ، فعنده تسكن لربّها وتخشع وتذعن بعجزها وذلَّها لما ذاقت حيلتها بلقمة طعام وأظلمت الدّنيا عليها بشربة ماء ، وما لم يشاهد الانسان ذلّ نفسه وعجزه لا يرى عزّة مولاه ولا قهره .
ولذلك إنّ النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله لمّا جاءه جبرئيل وعرض عليه خزائن الدّنيا وأبي من قبولها قال لجبرئيل : دعني أجوع يوما وأشبع يوما ، فاليوم الَّذي أجوع فيه أتضرّع إلى ربّي وأسأله ، واليوم الَّذي أشبع فيه أشكر ربّي وأحمده ، فقال له جبرئيل : وفّقت لكلّ خير .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 397
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٩٧