تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨
الرابعة التّذكَّر بجوعه جوع الفقراء والمساكين والمحتاجين ، لأنّ الانسان إنّما يقيس غيره على نفسه فيلاحظ حال الغير بملاحظة حاله ، فإذا شاهد في نفسه ألم الجوع يعرف بذلك ما في المحتاجين من الألم ، فيوجب ذلك مواساتهم ، ويدعو إلى الاطعام والشّفقة والرّحمة على خلق اللَّه ، والشّبعان بمعزل عن ذلك وغفلة منه . ولذلك قيل ليوسف عليه السّلام : لم تجوع وفي يديك خزائن الأرض فقال : أخاف أن اشبع فانسى الجايع . الخامسة التّذكَّر به جوع يوم القيامة وعطشه ، فانّ العبد لا ينبغي أن يغفل أهوال يوم القيامة وآلامها . قال في عدّة الدّاعي : قال النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : أكثر النّاس شبعا أكثرهم جوعا يوم القيامة ، لأنّ تذكَّرها يهيج الخوف والخشية من اللَّه وهو زمام النّفس الأمّارة العاطف لها عن الفحشاء والمنكر . السادسة وهي أعظم الفوايد كسرة شهوات المعاصي كلَّها والاستيلاء على النّفس فانّ منشأ المعاصي الشّهوات والقوى ، ومادّة القوى والشّهوات هي الأطعمة البتّة ، فتقليلها يضعف كلّ شهوة وقوّة ، وإنّما السّعادة كلَّها في أن يملك الرّجل نفسه ولا يملكه نفسه وكما أنّك لا تملك الدّابة الجموح إلَّا بضعف الجوع والهزال فإذا شبعت قويت وشردت وجمحت ، فكذلك النّفس . ولذلك قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله : إنّ الشّيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدّم في العروق ، فضيّقوا مجاريه بالجوع . السابعة دفع النوم ودوام السّهر ، فانّ من شبع شرب كثيرا ، ومن كثر شربه كثر نومه ، وفي كثرة النّوم ضياع العمر وفوات التهجّد والعمر أنفس الجواهر وهو رأس مال الانسان به يتّجر ويتزوّد لآخرته ، وفضيلة التّهجّد غير خفيّة . الثامنة تيسير المواظبة على العبادات ، فانّ كثرة الأكل مانعة منها ، لأنّها محتاجة إلى زمان يشتغل فيه بالأكل ومضغ الطَّعام وازدراده في الفم ، وربّما يحتاج إلى شراء الطَّعام وطبخه وغسل اليد ونحوها ، وفي ذلك تفويت العمر وتضييع الوقت