تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
أمّا الأوّل فلأنّ التقوى تحرز من اتّقى في الدّنيا من الرّذايل المنقصة والقبايح الموقعة له في الهلكات والمخازي ، وفي الآخرة من النار وغضب الجبّار كالحصن الحصين الذي يحرز متحصّنه من المضارّ والمكاره . وأما الثاني فلأنّ الفجور يوقع الفاجر في الدّنيا في المعاطب والمهالك ولا ينجيه في الآخرة من العذاب الأليم والسخط العظيم ، فهو بمنزلة دار غير وثيق البنيان منهدم الحيطان والجدران ( لا يمنع أهله ولا يحرز من لجأ إليه ) ومن تحصّن بدار كذلك ليكوننّ ذليلا مهانا لا محالة . ( ألا وبالتّقوى تقطع حمة الخطايا ) التشبيه المضمر في النفس للخطايا بالعقارب أو بذوات السموم من الحيوان استعارة بالكناية وذكر الحمة تخييل والقطع ترشيح والمراد أنّ بالتقوى يتدارك وينجبر سريان سمّ الخطايا والآثام في النفوس الموجب لهلاكها الأبد كما يقطع سريان سموم العقارب والأفاعي في الأبدان بالباد زهر والترياق ويمنع من نفوذها في أعماق البدن بقطع العضو الملدوغ من موضع اللَّدغ ، وعلى رواية حمة بالتشديد فالمقصود أنّ بها تدفع شدّتها وترفع . ولمّا نبّه على كون التقوى حاسمة لمادّة الخطايا ، وكان بذلك إصلاح القوّة العمليّة نبّه على ما به يحصل إصلاح القوّة النّظرية أعني اليقين فقال : ( وباليقين تدرك الغاية القصوى ) وإدراكها به لأنّ الانسان إذا كملت قوّته النّظريّة باليقين وقوّته العمليّة بالتّقوى ، بلغ الغاية القصوى من الكمال الانساني البتّة . ثمّ عاد عليه السّلام إلى تحذير العباد تأكيدا للمراد فقال : ( عباد اللَّه اللَّه اللَّه ) أي راقبوه سبحانه واتّقوه تعالى ( في أعزّ الأنفس عليكم وأحبّها إليكم ) الظَّاهر أنّ المراد بأعزّ الأنفس عليهم نفسهم ، إذ كلّ أحد يحبّ نفسه بالذّات ولغيره بالعرض والتّبع ، ولذلك قال سبحانه : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ ) *
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 320 | حبيب الله الهاشمي الخوئي / سيد إبراهيم الميانجي