تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
أحدهما أنه دليل للحامد على آلائه سبحانه أي على الفوز بها إذ الحمد والشّكر سببان للوصول إلى النّعم موجبان لزيادتها حسبما عرفت آنفا ، وأنّها منه دون غيره ، فمن حمد له تعالى فقد اهتدى بحمده إلى نيل نعمه . وثانيهما أنّ الحمد للَّه تعالى دليل على أنّه صاحب الآلاء والنّعم إذ الحمد لا يليق إلَّا بوليّ النّعمة ، ولعلّ الثاني أظهر . وأمّا كونه دليلا على عظمته فلدلالته على عدم تناهي قدرته وعدم نفاد ملكه وخزائنه إذ كلَّما ازداد الحمد ازدادت النّعمة لا يزيده كثرة العطاء إلَّا كرما وجودا فسبحان من لا تفنى خزائنه المسائل ، ولا تبدل حكمته الوسائل . ولمّا فرغ من حمد اللَّه سبحانه شرع في التّذكير والموعظة فقال ( عباد اللَّه إنّ الدّهر يجري بالباقين كجريه بالماضين ) يعني أنّ جريانه بالأخلاف كجريانه بالأسلاف قال الشّاعر :
فما الدّهر إلَّا كالزمان الَّذي مضى ولا نحن إلَّا كالقرون الأوائل
وهو من تشبيه المعقول بالمعقول ، إذ الجرى أمر عقلاني غير مدرك بإحدى الحواس الخمس ، ومن باب التّشبيه المفصل للتّصريح بوجه الشّبه وكونه مذكورا في الكلام وهو قوله ( لا يعود ما قد ولَّي منه ولا يبقى سرمدا ما فيه ) يعني أنّ ما ولَّي منه وأدبر فقد فات ومضى لا عود له أبدا ، وما هو موجود فيه فهو في معرض الزّوال والفناء ليس له ثبات ولا بقاء ، إذ وجود الزّماني إنّما هو بوجود زمانه ، فيكون منقضيا بانقضائه ، وفي هذا المعنى قال الشّاعر :
ما أحسن الأيّام إلَّا أنّها يا صاحبيّ إذا مضت لم ترجع
( آخر فعاله كأوّله ) وعن بعض النّسخ كأوّلها فالضّمير راجع إلى فعاله ، وعلى ما في المتن فالضّمير راجع إلى الدّهر فيحتاج إلى تقدير مضاف كأوّل فعاله ، والمراد واحد وانّ هو أجزاء الزّمان أوّلا وآخرا سابقا ولا حقا على وتيرة واحدة ونسق واحد أي ( متشابهة أموره ) فانّه كما كان أوّلا يعدّ قوما للفقر وآخرين للغنى وطائفة للصحّة وأخرى للمرض ، وفرقة للضّعة وأخرى للرّفعة ، وجمعا للوجود