للانسان بتعاقبها إلى وطنه الأصلي على ما مرّ تحقيقا وتفصيلا في شرح الخطبة الثّالثة والسّتين .
( فانّما أنتم كركب وقوف لا تدرون متى تؤمرون بالسّير ) لمّا أمرهم بالتّزوّد في الدّنيا علَّله بذلك تنبيها على وجوب المبادرة إلى أخذ الزّاد لأنّ المسافر إذا كان زمام أمره بيد غيره ولا يعلم متى يسار به لزم عليه أن يبادر إلى زاده كيلا يفجاه السّفر ويسير بغير زاد فيعطب .
قال الشّارح البحراني : قوله : فانّما أنتم كركب إلى آخره فوجه التّشبيه ظاهر ، فالانسان هو النّفس ، والمطايا هي الأبدان والقوى النّفسانيّة والطريق هي العالم الحسيّ والعقلي ، والسّير الَّذي ذكر ما قبل الموت هو تصرّف النّفس في العالمين لتحصيل الكمالات المعدّة وهى الزّاد لغاية السّعادة الباقية ، وأمّا السّير الثّاني الَّذي هم وقوف ينتظرون ولا يدرون متى يؤمرون به فهو الرّحيل إلى الآخرة من دار الدّنيا وطرح البدن وقطع عقبات الموت والقبر إذ الانسان لا يعرف وقت ذلك .
( ألا فما يصنع بالدّنيا من خلق للآخرة ) الاستفهام في معرض التّنفير عن الدّنيا والتّوبيخ لطالبيها إذ الانسان لمّا كان مخلوقا للآخرة فمقتضى العقل أن يصرف همّته إليها لا إلى الدّنيا الزّائلة عنه عن قليل ( وما يصنع بالمال عمّا قليل يسلبه ) وهو في معرض التّنفير عن المال بالتّنبيه على أنّه مسلوب عنه بعد زمان قليل فيزول سريعا لذّته ( ويبقى عليه تبعته ) أي اثمه ( وحسابه ) وما كان هذا وصفه فحرىّ بأن يرفض ويترك لا أن يقتنى ويجمع .
ثمّ رغَّب في الخير بقوله ( عباد اللَّه أنّه ليس لما وعد اللَّه من الخير مترك ) أي ليس للخيرات والمثوبات الَّتي وعدها اللَّه سبحانه في كتابه وعلى لسان نبيّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم محلّ لأن تترك رغبة عنها إلى غيرها إذ كلّ خير دونها زهيد ، وكلّ نفع عندها قليل كما قال عزّ من قائل :
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 322
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٢٢