تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
يهتدي به في ظلمات طريق الآخرة بل إنّما يحصل على أغطية من الهيئات البدنيّة وأغشية متحصّلة من الاشتغال بزخارف الدّنيا حاجبة له عن نور البصيرة فلأجل ذلك يكون قد ( تحيّر في الظَّلمات ) وتاه فيها ( وارتبك ) أي اختلط ( في الهلكات ) لا يكاد يتخلَّص منها ( ومدّت به شياطينه في طغيانه وزينت له سىّء أعماله ) كما قال عزّ من قائل : * ( إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ ) * . يعني أنّ الَّذين اتّقوا اللَّه باجتناب معاصيه إذا طاف عليهم الشّيطان بوساوسه تذكَّروا ما عليهم من العقاب بذلك فيجتنبوه ويتركونه فاذاهم مبصرون للرّشد ، وإخوان المشركين من شياطين الجنّ والانس يمدّونهم في الضّلال والمعاصي ويزيدونهم فيه ويزينون ما هم فيه ثمّ لا يقصرون لا يكفّون الشّياطين عن استغوائهم ولا يرحمونهم وقيل : معناه وإخوان الشّياطين من الكفّار يمدّهم الشّياطين في الغىّ ثمّ لا يقصرون هؤلاء مع ذلك كما يقصر الَّذين اتّقوا ، هكذا في مجمع البيان . ثمّ ذكر غاية وجود الانسان وقال : ( فالجنّة غاية السّابقين والنّار غاية المفرطين ) وكفى بالجنّة نعمة لمن طلب ، وكفى بالنّار نقمة لمن هرب ، وتخصيص الجنّة بالسّابقين والنّار بالمفرطين تنبيها على فضيلة السّبق ورذيلة التّفريط بتقوى الباعث على طلب أشرف الغايتين والهرب من أخسّهما . ولمّا كان السّبق إلى الجنّة والنّجاة من النّار لا يحصل إلَّا بالتّقوى وبالكفّ عن الفجور أردفه بذكر ثمرات هذين الوصفين وشرح ما يترتّب عليهما من الفضايل والرّذائل فقال : ( اعلموا عباد اللَّه أنّ التّقوى دار حصن عزيز والفجور دار حصن ذليل ) قال الشّارح المعتزلي : أي دار حصانة ، فأقيم الاسم مقام المصدر هذا ونسبة العزّة والذّلَّة إلى الدّار من التّوسّع باعتبار عزّة من تحصّن بالأوّل وذلَّة من تحصّن بالآخر