مراده عليه السّلام بأهل النّار الكفار والمنافقين ، إذ غيرهم من أصحاب الجرائر من المسلمين المذعنين بالولاية لا يخلَّدون في النّار لو دخلوها ، بل يخرجون بعد تمحيص الذّنوب إمّا بفضل من اللَّه سبحانه ، أو بشفاعة أولياء اللَّه تعالى كما دلَّت عليه الأصول المحكمة .
ثمّ حثّ على الأمر بالمعروف والنّهى عن المنكر بالتنبيه على فضلهما بقوله ( وإنّ الأمر بالمعروف والنّهى عن المنكر لخلقان من خلق اللَّه ) قال الشّارح البحراني « ره » إطلاق لفظ الخلق على اللَّه استعارة ، لأنّ حقيقة الخلق ملكة نفسانية تصدر عن الانسان بها أفعال خيريّة أو شريّة ، وإذ قد تنزّه قدسه تعالى عن الكيفيّات والهيئات لم يصدق هذا اللَّفظ عليه حقيقة ، لكن لمّا كان الأمر بالمعروف والنّهى عن المنكر والأفعال الخيريّة الَّتي بها نظام العالم وبقاؤه كحكمته وقدرته وجوده وعنايته وعدم حاجته بما يتعارف من الأخلاق الفاضلة الَّتي تصدر عنها الأفعال الخيريّة البشريّة ، فاستعير بها لفظ الاخلاق وأطلق عليه ، انتهى .
أقول : هذا كلَّه مبنيّ على التجوّز في لفظ الخلق حسبما صرّح به ، ويجوز ابقائه على حقيقته والبناء على التجوّز في الإضافة ، يعني أنّهما خلقان نسبتهما إليه سبحانه باعتبار كونهما مرضيّين عند اللَّه ومحبوبين له تعالى ، فصحّ بذلك الاعتبار كونهما من خلقه تعالى أي من خلق هو محبوبه ومطلوبه كما نقول : بيت اللَّه تشريفا ، وروح اللَّه تعظيما وتكريما ونحو ذلك ، هذا .
ولمّا كان أكثر النّاس يكفون عن الأمر بالمعروف والنّهى عن المنكر ، ويمسكون عن ردع الظلمة بتوهّم أن يبطش به فيقتل أو يقطع رزقه ويحرم فأشار عليه السّلام إلى دفع هذا التّوهم بقوله ( وانّهما لا يقربان من أجل ولا ينقصان من رزق ) وقد روى هذا المعنى عنه عليه السّلام في حديث آخر .
وهو ما رواه في الوسايل من الكافي عن يحيى بن عقيل عن حسن عليه السّلام قال خطب أمير المؤمنين عليه السّلام فحمد اللَّه وأثنى عليه ثمّ قال : أمّا بعد فانّه إنّما هلك من
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 288
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٨٨