فظهر لك بتلك المقدّمة معنى قوله عليه السّلام ( وناظر قلب اللَّبيب به يبصر أمده ويعرف غوره ونجده داع دعا وراع رعا ) أي عين بصيرة العاقل التي بها يبصر غايته التي يتوجه إليها أي معاده وبها يعرف ما انخفض وانحطَّ من حالاته الموجبة لشقاوته المتردّية له إلى دركات الجحيم ، وما ارتفع واستعلي من خصاله الموجبة لسعادته الموصلة له إلى نضرة النعيم هي أي هذه العين داع دعا وراع رعا ، أراد بالدّاعي رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم لدعائه إلى طرف الحقّ قال الله تعالى : * ( « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَداعِياً إِلَى ا للهِ بِإِذْنِه ِ » ) * .
وأراد بالرّاعى نفسه عليه السّلام لأنّه ولىّ الخلق والقائم بأمرهم كالرّاعي الذي يرعى غنمه ويحفظها ويربّيها ، وقد مرّ تشبيه الامام بالرّاعي والرعيّة بالغنم وتشبيه من لم يعرف امامه بغنم ضلَّت عن راعيها في الحديث الَّذي رويناه من الكافي في التّذنيب الثالث من تذنيبات شرح الفصل الرّابع من فصول الخطبة الأولى وورد في وصف الأئمة عليهم السّلام في الزّيارة الجامعة : واسترعاكم أمر خلقه ، قال شارح الزّيارة ، يعنى به : أنّه تعالى استرعاهم أمر خلقه جعلهم قائمين برعاية الخلق فيما يتعلَّق بأمر الوجود الكوني وشرعه ، وفيما يتعلَّق بأمر الكون الشّرعي ووجوده ، وفيما يتعلَّق بأمر الغيب والشّهادة ، وفيما يتعلَّق بأمر الدّنيا والآخرة ، وفيما يتعلَّق بأمر الجنّة والنّار ، طلب تعالى منهم عليهم السّلام رعاية جميع خلقه في هذه الأمور الخمسة فهم عليهم السّلام المربّون لرعيّتهم الرّاعون الَّذين استرعاهم الله أمر غنمه فان شاؤوا فانّما شاء ، هذا .
وانّما جعل الدّاعي والرّاعى ناظر القلب اللَّبيب لأنّ النّاظر من الانسان هو آلة الابصار ، وبها يدرك الأشياء على ما هي عليها ، ويفرّق بين الألوان والأضواء والأشكال والمقادير ونحوها ، وبناظره القلبي أي عين بصيرته يفرّق بين الحقّ والباطل ، والصّلاح والفساد ، فاستعار لفظه للرّسول والامام عليهما السّلام إذ بهما يحصل له المعرفة
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 232
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٣٢