اعطى له من خزائن رحمة الله ما يستعدّ به للوصول إلى ما هو خير له وسعادة بالنسبة إليه ويحترز عمّا هو شرّ له وشقاوة ، ولا شكّ أنّ الانسان أشرف هذه الأنواع فاعطاء ما يستطيع به لطلب ما هو الخير والسّعادة له أولى وأوجب ، لكن لمّا كان كماله الخاصّ به أمرا متميّزا عن كمالات ساير الأنواع الحيوانيّة من جلب مأكول أو مشروب أو منكوح ونحوها من كمالات البهايم ، فليس خيره وسعادته ممّا يوجد في هذا العالم ، بل كماله وخيره في العلم والتّجرد عن الدّنيا وما فيها والتّقرّب إليه تعالى وملكوته الأعلى فيجب في العناية الرّبانيّة أن يعطيه ما يهتدى به إلى سبيل سعادته وطريق نجاته ، ويتجنّب عن طريق شقاوته وشقائه بأن يعرف أوّلا ولو بوجه من الوجوه ما الاله وما الملكوت وما الآخرة وما الأولى ، وما السعادة والشقاء ، ثمّ إن كان ممّن لا يهتدى إلى ذلك إلَّا بواسطة معلَّم من خارج من نبيّ أو امام أو كتاب وجب عليه تعالى أن يعرّفه ذلك ووجب عليه أن يتعلَّم منه ويطيع له ويقبل منه روى يزيد بن معاوية عن أبي عبد الله عليه السّلام قال : ليس لله على خلقه أن يعرفوا وللخلق على الله أن يعرّفهم ، ولله على الخلق إذا عرفهم أن يقبلوا إذا عرفت ذلك فأقول : إنّ الانسان قد أعطاه الله سبحانه بمقتضا عنايته العقل يهتدى به إلى مصالحه ومفاسده ، وجعل عقول بعض أفراد هذا النوع كاملة فاضلة غير محتاجة في كسب كمالاتها إلى الغير وهى عقول الأنبياء والرّسل والأئمّة عليهم السّلام ، وجعل عقول غيرهم ناقصة ، فهؤلاء لا يكمل معرفتهم إلَّا بمعلَّم خارجي ، لعدم استقلال عقلهم بمعرفة كثير من المصالح والمفاسد والمنافع والمضارّ ، وذلك المعلَّم هو النبيّ صلَّى الله عليه وآله والامام .
وإلى هذا المعنى أشار أبو عبد الله عليه السّلام في رواية الكافي حيث قال : أبي الله أن يجرى الأشياء إلَّا بأسباب ، فجعل لكلّ شيء سببا ولكلّ سبب شرحا ، وجعل لكلّ شرح علما ، وجعل لكلّ علم بابا ناطقا عرفه من عرفه وجهله من جهله ذاك رسول الله صلَّى الله عليه وآله ونحن .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 231
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٣١