إليها بالتوبة ، والاستقالة قبل إدراكها له ، هذا .
ولمّا فرغ عليه السّلام من تمهيد مقدّمات الدّعاء شرع فيه فقال ( اللَّهم إنّا خرجنا إليك من تحت الأستار والأكنان ) الَّتي ليس من شأنها أن تفارق إلَّا لضرورة شديدة ( وبعد عجيح البهائم والولدان ) وأصواتها المرتفعة بالبكاء والنحيب ( راغبين ) في برّك و ( رحمتك وراجين فضل ) منّك و ( نعمتك وخائفين من عذابك ونقمتك اللَّهمّ فأسقنا غيثك ) المغدق من السّحاب المنساق لنبات أرضك المونق ( ولا تجعلنا من القانطين ) الآيسين ( ولا تهلكنا بالسّنين ولا تؤاخذنا بما فعل السّفهاء منّا يا أرحم الرّاحمين ) والمراد بالسّفهاء الجهّال من أهل المعاصي وبفعلهم معاصيهم المبعدة عن رحمته سبحانه كما في قوله سبحانه حكاية عن موسى عليه السّلام : * ( « أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا » ) * ثمّ عاد عليه السّلام إلى تكرير شكوى الجدب بذكر أسبابها الحاملة عليها فقال : ( اللَّهمّ إنّا خرجنا إليك نشكو إليك ما لا يخفى عليك ) من الضرّ والسّوء ( حين ألجائتنا المضائق الوعرة ) المستصعبة ( وأجائتنا المقاحط المجدبة ) أي السّنون المحلَّة ( وأعيتنا المطالب المتعسّرة ، وتلاحمت علينا الفتن المستصعبة ) أي تزاحمت علينا أمور من الجوع والعرى وسائر مسبّبات القحط ما كانت لنا فتنة أي بلاء ومحنة أي صارفة للقلوب عمّا يراد بها .
( اللَّهمّ ) إنّا نسألك أن ( لا تردّنا خائبين ) من رحمتك ( ولا تقلبنا واجمين ) محزونين باليأس عن عطيّتك ( ولا تخاطبنا بذنوبنا ) قال الشّارح المعتزلي : أي لا تجعل جواب دعائنا لك ما يقتضيه ذنوبنا كأنّه يجعله كالمخاطب لهم والمجيب عمّا سألوه إيّاه كما يفاوض الواحد منّا صاحبه ويستعطفه فقد يجيبه ويخاطبه بما يقتضيه ذنبه إذا اشتدّت موجدته عليه ونحوه قوله ( ولا تقايسنا بأعمالنا ) أي لا تجعل ما تجيبنا به مقايسا ومماثلا لأعمالنا السيّئة ، وبعبارة أخرى لا تجعل فعلك بنا مقايسا لأعمالنا السيّئة ومشابها لها وسيئة مثلها .
( اللَّهمّ انشر علينا غيثك وبركتك ورزقك ورحمتك ، واسقنا سقيا نافعة )
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 12
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٢