بلسانه ، فمن لم يستطع بلسانه فيجاهدهم بقلبه ، وليس وراء ذلك شيء ، قال : قلت : ادع الله لي إن أدركتهم أن يعينني ويقوّينى على قتالهم فلمّا بايع النّاس عليّ بن أبي طالب عليه السّلام وخالفه معاوية وسار طلحة والزّبير إلى البصرة قلت : هؤلاء القوم الَّذين قال فيهم رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم ما قال ، فباع أرضه بخيبر وداره بالمدينة وتقوى بها هو وولده ثمّ خرج مع عليّ عليه السّلام بجميع أهله وولده ، وكان معه حتّى استشهد عليّ عليه السّلام ، فرجع إلى المدينة مع الحسن عليه السّلام ولا أرض له بالمدينة ولا دار فأقطعه الحسن عليه السّلام أرضا بينبع من صدقة علىّ وأعطاه دارا ، هذا .
ولمّا كان هنا مظنّة سؤال وهو أن يقال : إذا كان رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم سنّ السّنن واخبر بحال هؤلاء البغاة وأبان عن كونهم على الباطل فكيف كان خروج هؤلاء وكيف نكثوا عن بيعتهم مع تقدّم هذا الخبر منه واشتهاره بين النّاس أجاب عليه السّلام عنه بقوله ( ولكلّ ضلَّة علَّة ولكلّ ناكث شبهة ) يعني أنّهم لما نكثوا وضلَّوا عن الطَّريق لعلَّة أوجبت الضّلال وشبهة أوجبت النكث أمّا العلَّة فهي الحقد والحسد والطمع في الملك وحبّ الدّنيا ، وأمّا الشّبهة فهي الطَّلب لدم عثمان هذا .
وقيل إنّ المعنى أنّ لكلّ ضلالة غالبا علَّة ، ولكلّ ناكث شبهة بخلاف هؤلاء ، فانّهم يعدلون عن الحقّ مع وضوحه بغير عذر وشبهة .
ثمّ أقسم عليه السّلام بقوله ( والله لا أكون كمستمع اللَّدم يسمع النّاعى ويحضر الباكي ) أراد بمستمع اللَّدم الضّبع هو صوت الحجر يضرب به الأرض أو حيلة يفعلها الصّائد عند باب جحرها فتنام ولا تتحرّك حتّى يجعل الحبل في عرقوبها فيخرجها فيكون نظير ما تقدّم في الكلام السّادس من قوله : والله لا أكون كضبع تنام على طول اللَّدم حتى يصل إليها طالبها ويختلها راصدها ، وقد مضى منّا هناك ما يتّضح به هذا المقام ، فالمقصود انّى لا اغترّ ولا اغفل عن كيد الأعداء فأسمع النّاعي بقتل طائفة من المسلمين واحضر الباكي على قتلاهم فلا أحاربهم حتّى يحيطوا بي وقيل : المراد إنّى لا أكون كمن يسمع اللَّطم والضرب والبكاء ثمّ لا يصدق حتّى يجيء لمشاهدة الحال ، أي لا أكون كمن علم بوقوع نازلة وشاهد اماراتها ثمّ
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 109
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٠٩