ذكر مقاليدها تخييلا ، وذكر القذف ترشيحا ، وفي نسبة القذف إليها نكتة خفيّة وهي الإشارة إلى أنّها لتمكينها التام لبارئها فكأنّها باختيارها ألقت وسلَّمت مفاتيحها إليه سبحانه ، وعلى هذا فالمقاليد بمعناها الأصلي وليس استعارة كما زعمه الشارح وأمّا إن جعلت بمعنى الخزائن فهو كما قال الشّارح استعارة لما فيه من الموادّ والاستعدادت فافهم جيّدا .
( وسجدت له بالغدوّ والآصال الأشجار النّاضرة ) أراد به خضوع التكوين وذلّ الامكان كما قال سبحانه : ألم تر أنّ اللَّه يسجد له من في السّموات ومن في الأرض والشّمس والقمر والنجوم والجبال والشّجر والدّواب .
( وقدحت له من قضبانها النّيران المضيئة ) نسبة القدح إلى الأشجار من باب التوسّع والمجاز العقلي ، لكون الأشجار سببا ماديّا ، والمراد أنّ تلك الأشجار أورت النّار واستخرجتها من أمر اللَّه سبحانه واقتضاء مشيّته ، وفيه إشارة إلى كمال القدرة لأنّ إخراج النّار من الشّجر الأخضر الذي يقطر منه الماء أعجب كما قال تعالى في سورة يس : الَّذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون ، وفي سورة الواقعة : أفرأيتم النّار التي تورونء أنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤن نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين .
قال الفخر الرّازي : في شجرة النار وجوه : أحدها أنّها الشّجرة التي تورى النّار منها بالزند والزّندة كالمرخ .
وثانيها الشجرة الَّتي تصلح لا يقاد النّار فإنها لو لم تكن لم يسهل إيقاد النار لأنّ النّار لا تتعلَّق بكلّ شيء كما تتعلَّق بالحطب .
وثالثها أصول شعلها ووقود شجرتها ، ولولا كونها ذات شعل لما صلحت لانضاج الأشياء ، وفي ذلك تذكرة ومتاع للمقوين ، أي للَّذين يوقدونه فيقوونه ويزيدونه .
( وآتت اكلها بكلماته الثّمار اليانعة ) النّاضجة ، والمراد بكلماته قدرته ومشيته المعبّر عنهما بلفظ كن ، قال الشّارح البحراني : وإطلاق الكلمات عليها
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 307
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٠٧