عنه الفرقة الأخرى وانجرّ الأمر إلى الفساد كما مرّ نظيره في كلامه الذي قاله في قتل عثمان : لو أمرت به لكنت قاتلا أو نهيت عنه لكنت عاصيا ، وهو الثلاثون من المختار في باب الخطب .
ومحصّل جوابه عليه السّلام عن انكارهم للتحكيم يعود إلى أنّه امام مفترض الطاعة وأنّ الأمر إليه وهو وليّ الأمر لو رأى المصلحة في الاباء منه كان الاباء واجبا ، ولو رآها في الإجابة إليه كانت الإجابة واجبة ، وعلى التقديرين فاللَّازم عليهم التسليم والانقياد لا الانكار والاعتراض ، والاقتداء والمتابعة لا الرّد والامتناع فان قلت : فلم أكَّد الكلام في جانب الاباء بتأكيدين أعني القسم واللَّام وفي الجانب الآخر أتى بأربع تأكيدات وهو القسم وإنّ واللام واسميّة الجملة ، حيث قال : وو الله ان جئتها إنّى للمحقّ ، بل وأكَّد خامسا بالوصف وقال : الذي يتّبع .
قلت : النكتة في ذلك أنّ مخاطبته بهذا الكلام لما كانت مع الخوارج الزاعمين لكون الاقدام على الحكومة معصية وحراما دون الاباء ، وكانوا مصرّين على انكارها استدعى المقام زيادة التأكيد ردّا لزعم المخاطبين ، وابطالا لانكارهم ولهذه النكتة أيضا أتى بالموصول تفخيما لشأنه ، وجعله وصفا تأكيدا لحقيقته ، وأكَّد سادسا بقوله : وانّ الكتاب لمعى ، إشارة إلى أنّه لا يرد ولا يصدر في شيء من الأبواب إلَّا بحكم الكتاب ، وهذه التحقيقات في هذا المقام من لطايف البلاغة قصرت عنها أيدي الشارحين ولله الحمد .
ثمّ رغَّب عليه السّلام في التأسّي بالسّلف الماضين من خيار الصحابة بقوله : ( فلقد كنّا مع رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم وأنّ القتل ليدور بين الآباء والأبناء والاخوان والقرابات فما نزداد على كلّ مصيبة وشدّة ) أصابتنا وابتلينا بها ( إلَّا ايمانا ومضيّا إلى الحقّ وتسليما للأمر ) ورضا بالقضاء ( وصبرا على مضض الجراح ) أي وجع الجراحات وألمها وقد تقدّم نظير هذه الفقرات منه عليه السّلام في الكلام الخامس والخمسين .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 146
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٤٦