قال : قلت له : أيها العالم أخبرني أىّ الأعمال أفضل عند اللَّه قال : ما لا يقبل اللَّه شيئا إلَّا به ، قلت : وما هو قال : الايمان باللَّه الذي لا إله إلَّا هو أعلى الأعمال درجة وأشرفها منزلة وأسناها حظا قال : قلت : ألا تخبرني عن الايمان أقول هو وعمل أم قول بلا عمل فقال : الايمان عمل كلَّه والقول بعض ذلك العمل بفرض من اللَّه بيّن في كتابه واضح نوره ثابتة حجّته يشهد له به الكتاب ويدعوه اليه قال : قلت له : صفة لي جعلت فداك حتّى أفهمه ، قال : الايمان حالات ودرجات وطبقات ومنازل : فمنه التامّ المنتهى تمامه ، ومنه الناقص البيّن نقصانه ، ومنه الراجح الزّايد رجحانه قلت : إنّ الايمان ليتمّ وينقص ويزيد قال : نعم ، قلت : كيف ذاك قال : لأنّ اللَّه تبارك وتعالى فرض الايمان على جوارح ابن آدم وقسّمه عليها وفرّقه فيها ، فليس من جوارحه جارحة إلَّا وقد وكَّلت من الايمان بغير ما وكَّلت به أختها ، فمنها قلبه الذي به يعقل ويفقه ويفهم ، وهو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح ولا تصدر إلَّا عن رأيه وأمره ، ومنها عيناه اللَّتان يبصر بهما ، وأذناه اللَّتان يسمع بهما ويداه اللَّتان يبطش بهما ورجلاه اللَّتان يمشى بهما ، وفرجه الذي الباه من قبله « قلبه خ » ولسانه الذي ينطق به ، ورأسه الذي فيه وجهه فليس من هذه جارحة إلَّا وقد وكلت من الايمان بغير ما وكلَّت به أختها بفرض من اللَّه تبارك وتعالى اسمه ، ينطق به الكتاب لها ويشهد به عليها ، ففرض على القلب غير ما فرض على العينين وفرض على العينين غير ما فرض على اللَّسان ، وفرض على اللَّسان غير ما فرض على اليدين وفرض على اليدين غير ما فرض على الرّجلين ، وفرض على الرّجلين غير ما فرض على الفرج وفرض على الفرج غير ما فرض على الوجه .
فاما ما فرض على القلب من الايمان فالاقرار والمعرفة والعقد والرّضا والتسليم بأن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له إلها واحدا لم يتّخذ صاحبة ولا ولدا وأنّ محمّدا عبده ورسوله صلوات اللَّه عليه وآله ، والاقرار بما جاء من عند اللَّه من نبىّ أو كتاب ، فذلك ما فرض اللَّه على القلب من الاقرار والمعرفة وهو قول اللَّه عزّ وجلّ :
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 390
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٩٠