فان قلت : إذا جعلت الايمان عبارة عن التصديق بالباطن فلا بدّ أن تكون النسبة بينهما عموما من وجه إذ كما أنّ التّصديق ظاهرا لا يستلزم التصديق بالباطن كلَّيا ، فكذلك العكس ، إذ ربّما يذعن المرء باللَّه وبرسوله من دون أن ينطق بكلمتي الشهادة ، بأن يصدّق بالقلب ولا يساعده من العمر مهلة النطق ، نعم لا يحكم بايمانه إلَّا بعد النطق والكلام ، لكون اللَّسان ترجمان القلب ، لكنه لا يقدح فيما ذكرنا لأنّ الكلام في منع الملازمة بين نفس الايمان والاسلام لا في الحكم بكون الرجل مسلما ومؤمنا ، فافهم .
قلت : التصديق بالباطن ملازم عادة للتصديق بالظاهر وإن لم يكن ملازما له عقلا كما فيما ذكرته من المثال ، فانّ العرف والعادة قاضية بأنّ من كان مصدّقا بالباطن يكون لا محالة مصدّقا بالظاهر ، والمثال المذكور فرد نادر نعم لو قيل بأنّ الايمان عبارة عن التصديق بالجنان والاقرار باللَّسان والعمل بالأركان أعنى مجموع الثلاثة ارتفع الاشكال رأسا ، وكذا على مذهب من يعتبر فيه الاقرار باللَّسان فقط شطرا كما عزى إلى المحقق الطَّوسى حيث قال : بأنه مركب من الاقرار والتّصديق ، أو شرطا كما نسب إلى المتكلَّمين من الخاصّة وبعض العامة .
واما من جهة أنّ الاسلام عبارة عن الشّهادة بالتوحيد والرسالة مع التصديق الباطني وبدونه ، سواء كان معه الاقرار بالولاية والاذعان بها أم لا ، والايمان يعتبر فيه ذلك .
ويرشد إليه ما رواه ثقة الاسلام الكليني باسناده عن سفيان بن السمط قال : سأل رجل أبا عبد اللَّه عليه السّلام عن الاسلام والايمان ما الفرق بينهما فلم يجبه ثمّ سأله فلم يجبه ، ثمّ التقيا في الطريق وقد أزف من الرجل الرحيل فقال له أبو عبد اللَّه عليه السّلام : كأنه قد أزف منك رحيل ، فقال : نعم ، فقال : فالقنى في البيت فلقاه فسأله عن الاسلام والايمان ما الفرق بينهما فقال عليه السّلام : الاسلام ما هو الظاهر الذي عليه الناس شهادة أن لا إله إلا اللَّه وأنّ محمّدا رسول اللَّه وإقام الصّلاة وايتاء الزكاة وحجّ البيت وصيام شهر رمضان
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 387
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٨٧