ويحتمل أن يراد بالحكم الحكمة كما فسّربه قوله سبحانه : * ( وَآتَيْناه ُ الْحُكْمَ صَبِيًّا ) * ، قال الباقر عليه السّلام في رواية الكافي : مات زكريّا فورثه ابنه يحيى الكتاب والحكمة وهو صبىّ صغير ، ثمّ تلى هذه الآية ويؤيّد هذا الاحتمال ما في بعض النّسخ من ضبط الحكم بكسر الحاء وفتح الكاف وهو جمع الحكمة والحكمة هو الفهم والعقل وبه فسّره الكاظم عليه السّلام في قوله سبحانه : ولقد آتينا لقمان الحكمة وفي مجمع البيان أي أعطيناه العقل والعلم والعمل به والإصابة في الأمور ، وكيف كان فلا غبار على كون الأئمة متّصفين بالحكم بأىّ معنى يراد ، وهم الحاكمون بين العباد بالحقّ والصّواب والسّداد .
ثمّ اعلم أنّ الشّارح المعتزلي قد أورد في شرح المقام بعض الأخبار الدالَّة على غزارة علم أمير المؤمنين عليه السّلام وقال بعد ذلك : وبالجملة فحاله عليه السّلام في العلم رفيعة جدا لم يلحقه أحد فيها ولا قاربه وحقّ له أن يصف نفسه بأنه معادن العلم وينابيع الحكم فلا أحد أحقّ به منها بعد رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم .
أقول : وبعد الاعتراف بسبقه على غيره في العلم والحكم وأنّه لم يدانيه في ذلك أحد ولم يقاربه فيه ، كيف يجوز أن يقدّم غيره عليه ويؤتمّ به دونه * ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبابِ ) * * ( وَما يَسْتَوِي الأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ وَما يَسْتَوِي الأَحْياءُ وَلَا الأَمْواتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ) * .
ثمّ إنّه لما أشار إلى بعض فضائله ومناقبه الجميلة عقّب ذلك بذكر ما لعلَّه هو الغرض الأصلي من ذكر هذه المناقب وهو الحثّ والترغيب في نصرته ببشرى ناصريه بالثّواب ، والتحذير والتنفير عن عداوته بانذار مبغضيه من العقاب وهو قوله : ( ناصرنا ومحبّنا ينتظر الرّحمة وعدوّنا ومبغضنا ينتظر السّطوة ) لما كان
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 378
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٧٨