تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 338

مساهمون:

ص٣٣٨
واللَّسان ( يردّد طرفه بالنظر في وجوههم ) أي مخاطباتهم و ( يرى حركات ألسنتهم ولا يسمع رجع كلامهم ) أي ما يتراجعونه من الكلام لبطلان قوّته السّامعة وبقاء قوّته الباصرة بعد . ( ثمّ ازداد الموت التياطا به ) أي التصاقا ( فقبض بصره كما قبض سمعه وخرجت الرّوح من جسده ) وظاهر هذا الكلام بملاحظة ما سبق من قوله : ثمّ ازداد الموت فيهم ولوجا فحيل بين أحدهم وبين منطقه آه ، وما سبق أيضا من قوله : فلم يزل الموت يبالغ في جسده حتى خالط لسانه سمعه ، يفيد لبطلان آلة النطق في الانسان قبل آلتى السمع والبصر ، ثمّ بطلان آلة البصر وإنّما تبطل مع خروج الرّوح ومفارقتها عن البدن . قال الشارح البحراني : وليس ذلك مطلقا بل في بعض الناس وأغلب ما يكون ذلك فيمن تعرض الموت الطبيعي لآلاته والَّا فقد تعرض الآفة لقوّة البصر وآلته قبل آلة السّمع وآلة النطق ، والذي يلوح من أسباب ذلك أنه لما كان السبب العام القريب للموت هو انطفاء الحرارة الغريزية عن فناء الرّطوبة الأصلية التي منها خلقنا ، وكان فناء تلك الرطوبة عن عمل الحرارة الغريزية فيها التجفيف والتحليل ، وقد تعينها على ذلك الأسباب الخارجية من الأهوية واستعمال الأدوية المجففة وساير المجففات ، كان كلّ عضو أيبس من طبيعته وأبرد أسرع إلى البطلان وأسبق إلى الفساد . إذا عرفت ذلك فنقول : أما أنّ آلة النطق أسرع فسادا من آلة السمع ، فلأنّ آلة النطق مبنيّة على الأعصاب المحركة ومركبة منها ، وآلة السمع من الأعصاب المفيدة للحسّ واتّفق الأطباء على أنّ الأعصاب المحرّكة أيبس وأبرد ، لكونها منبعثة من مؤخّر الدماغ دون الأعصاب المفيدة للحسّ ، فانّ جلَّها منبعث من مقدّم الدّماغ فكان لذلك أقرب إلى البطلان ، ولأنّ النطق أكثر شروطا من السّماع لتوقفه مع الآلة وسلامتها على الصّوت وسلامة مخارجه ومجاري النفس ، والأكثر شرطا أسرع إلى الفساد .