تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
وأما بطلان آلة السمع قبل البصر فلأنّ منبت الأعصاب التي هي محلّ القوّة السامعة أقرب إلى مؤخّر الدّماغ من منابت محلّ القوّة الباصرة ، فكانت أيبس وأبرد وأقبل لانطفاء الحرارة الغريزية ، ولأنّ العصب المفروش على الصّماخ الذي رتّبت فيه قوة السّمع احتاج أن يكون مكشوفا غير مسدود عنه سبيل الهواء بخلاف العصب الذي هو آلة البصر ، فكانت لذلك أصلب والأصلب أيبس وأسرع فسادا ، هذا مع أنّه قد يكون ذلك لتحلَّل الروح الحامل للسّمع قبل الرّوح الحامل للبصر أو لغير ذلك ، واللَّه اعلم . وقوله عليه السّلام ( فصار جيفة بين أهله ) لا يخفى ما في هذا التعبير من النكتة اللَّطيفة ، وهو التنفير عن التعلَّق بهذا البدن العنصري والنهى عن التعزّز بهذا الهيكل الجسماني ، فإنّ من كان أوّله جيفة وآخره جيفة وهو في الدّنيا حامل الجيف كيف يجوز له الاغترار بوجوده ، والتعزّز والتّكبر بذاته لا سيّما بعد ملاحظة كون آخره جيفة أقذر من ساير الجيف حتّى جيفة الكلب والخنزير ، حيث إنّ ساير الجيف لا توجب على من لامسها الغسل بخلاف ميتة الانسان فانّ ملامستها توجب غسل المسّ خصوصا لو لاحظ أنّ أقرب النّاس إليه وآنسهم به من الآباء والاخوان والبنات والولدان : ( قد أوحشوا من جانبه وتباعدوا من قربه ) مع كمال انسهم به ومحبّتهم له ، وجهة استيحاشهم منه حكم أوهامهم السخيفة على قواهم المتخيلة بمحاكات حاله في نفس المتوهم وعزل العقل في ذلك الموضع ، ولذلك أنّ المجاور لميّت في موضع ظلماني منفرد يتخيل أنّ الميّت يجذ به إليه ويصيره بحاله المنفورة عنها طبعا . وبالجملة فالمرء إذا خرجت روحه من جسده تنافر الناس عنه ويبقى فريدا وحيدا ( لا يسعد باكيا ) على بكائه ( ولا يجيب داعيا ) على دعائه . ( ثمّ حملوه ) أي حفدة الولدان وحشدة الاخوان ( إلى محطَّ من الأرض ) أي قبره الذي يحطَّ وينزل فيه وعلى ما في بعض النسخ من رواية مخط بالخاء المعجمة تكون كناية عن القبر لكونه يخط أولا ثمّ يحفر أو عن اللحد لكونه كالخطَّ في الدّقة
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 339 | حبيب الله الهاشمي الخوئي / سيد إبراهيم الميانجي