( فأسلموه فيه إلى عمله وانقطعوا عن زورته ) ووجد ما عمله محضرا فإن كان العمل صالحا فنعم المونس والمعين ، وإن كان سيئا فبئس المصاحب والقرين والعدوّ المبين أقول : لو كان كلام يؤخذ بالأعناق في التزهيد عن الدّنيا والترغيب إلى الآخرة لكان هذا الكلام الذي في هذا الفصل ، وما أبعد غوره واجزل قدره ، فانّ عمدة ما أوجب رغبة الراغبين إلى الدّنيا والرّاكنين إليها والمغترّين بها إنما هي أمور ثلاثة أحدها حبّ المال والثاني حبّ الوجود والثالث حبّ الأولاد والبنين والأزواج والأقربين ، فزهّد عليه السّلام عن كلّ ذلك بأحكم بيان وأوضح برهان .
أما عن المال فبأنه عن قريب يفارقه وينتقل عنه ويكون لذّته ومهنائه لغيره ويبقى وزره وتبعته عليه .
وأمّا عن وجوده ونفسه فبأنّه سينمحى أعضاؤه وجوارحه ويبطل قواه وآلاته ويكون بالآخرة جيفة منبوذة بين أهله .
وأما عن الأولاد والأبناء والاخوان والأقرباء فبأنهم سيفارقونه ويتنفّرون عنه ويستوحشون منه ، فمن كان مآل ما أحبّه ذلك فكيف يغترّ بذلك مع علمه بأنّ كلّ ذلك واقع لا محالة واعتقاده بأنّ الموت لا يمكن الفرار منه البتة .
قال عليّ بن الحسين عليهما السّلام : عجب كلّ العجب لمن أنكر الموت وهو يرى من يموت كلّ يوم وليلة ، والعجب كلّ العجب لمن أنكر النشأة الآخرة وهو يرى النشأة الأولى وقال اللَّه سبحانه : * ( أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ) * .
روى الأعمش عن خثيمة قال : دخل ملك الموت على سليمان بن داود على نبيّنا وآله وعليهما السلام فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر اليه ، فلما خرج قال الرجل : من هذا قال : هذا ملك الموت ، قال : لقد رأيته ينظر الىّ كأنه يريدني ، قال عليه السّلام : فما ذا تريد قال : أريد أن تخلصني منه فتأمر الريح حتّى تحملني إلى أقصى الهند ، ففعلت الرّيح ذلك ثمّ قال سليمان عليه السّلام لملك الموت بعد أن أتاه ثانيا : رأيتك تديم النظر إلى واحد من جلسائي ، قال : نعم كنت أتعجّب منه ، لأنى كنت
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 340
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٤٠