ولو تجرّد به فكيف من له مهمّ يشغله في دينه أو دنياه ، ومن هنا قيل كثرة الأصدقاء كثرة العرناء وقال الشّاعر :
عدوّك من صديقك مستفاد
فلا تستكثرنّ من الصّحاب
فانّ الدّاء أكثر ما تراه
يكون من الطعام أو الشراب
وأما انقطاع طمعك عنهم فهو أيضا فائدة أخرى جزيلة ، فانّ من نظر إلى زهرة الدّنيا وزينتها تحرّك وانبعث بقوّة الحرص وطمعه ، ولا يرى إلَّا الخيبة في أكثر الأحوال فيتأذىّ بذلك ، ومهما اعتزل لم يشاهد ، ومتى لم يشاهد لم يشته ولم يطمع ، ولذلك قال اللَّه سبحانه : * ( وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِه ِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا ) * .
وقال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : انظروا إلى من هو دونكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة اللَّه عليكم .
وقال بعضهم : كنت أجالس الأغنياء فلم أزل مغموما كنت أرى ثوبا أحسن من ثوبي وفرسا أفره من دابتي ، فجالست الفقراء فاسترحت .
وبالجملة فمن شاهد زينة الدّنيا فإمّا أن يقوى دينه ويقينه فيصبر فيكون محتاجا إلى أن يتجرع مرارة الصّبر ، وهو أمرّ من الصّبر أو تنبعث رغبته فيحتال في طلب الدّنيا فيهلك هلاكا مؤبّدا ، أمّا في الدّنيا فبالطمع الذي يخيب في أكثر الأوقات فليس كلّ من يطلب الدّنيا يتيسّر له .
ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه
تجرى الرّياح بما لا تشتهى السفن
وامّا في الآخرة فبايثاره زينة الحياة الدّنيا على متاع الآخرة ، ولذلك قال ابن الاعرابى :
إذا كان باب الذّلّ من جانب الغنى
سموت إلى العليا من جانب الفقر
الفائدة السادسة
الخلاص من مشاهدة الثقلاء والسّفهاء ومقاساة حمقهم وأخلاقهم ، فانّ رؤية