تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
والأخلاق والفقر وسائر العورات ، وقد مدح اللَّه سبحانه المتستّرين فقال : « يحسبهم الجاهل أغنياء من التّعفّف » قال الشاعر :
ولا عار أن زالت عن الحرّ نعمة ولكنّ عارا أن يزول التّجمّل
ولا يخلو الانسان في دينه ودنياه وأخلاقه وأفعاله عن عورات الأولى في الدّين والدّنيا سترها ولا تبقى السّلامة مع انكشافها . قال أبو الدّرداء : كان النّاس ورقالاشوك فيه فالنّاس اليوم شوك لا ورق فيه فإذا كان هذا حكم زمانه وهو في أواخر القرن الأوّل فما حال أمثال زماننا . وقال أبو الدّرداء أيضا : اتّقوا اللَّه واحذروا النّاس فإنهم ما ركبوا ظهر بعير إلَّا أدبروه ولا ظهر جواد إلَّا عقروه ولا قلب مؤمن إلَّا خربوه . وقال بعضهم : أقلّ المعارف فإنه أسلم لدينك وقلبك وأخفّ لسقوط الحقوق عنك ، لأنه كلَّما كثرت المعارف كثرت الحقوق وعسر القيام بالجميع . وقال آخر : أنكر من تعرف ، ولا تتعرّف إلى من لا تعرف .

الفائدة الخامسة

أن ينقطع طمع النّاس عنك وطمعك عن النّاس ، فأما انقطاع طمع الناس عنك ففيه منافع كثيرة فانّ رضاء النّاس لا تضبط وأغراضهم لا تدرك والاشتغال باصلاح النفس أولى من الاشتغال باتيان مقصود الغير وتحصيل رضائه . ومن أهون الحقوق وأيسرها حضور الجنازة وعيادة المريض وحضور الولائم وزيارة الأحباء ، وفيها تضييع الأوقات وتعرّض للآفات ، وربما تعوق عن بعضها العوائق والموانع وتستقبل فيها المعاذير ولا يمكن اظهار كلّ الأعذار فيقولون قمت في حق فلان وقصرت في حقّنا ، ويصير ذلك سببا للعداوة . فقد قيل : من لم يعد مريضا في وقت العيادة فقد اشتهى موته مخافة الخجالة إذا عاد المريض إلى السّلامة ، ومن عمّم النّاس كلَّهم بالحرمان رضوا عنه كلَّهم ولو خصص البعض استوحشوا ، ولو قام بحقوق الجميع لم يف له طول اللَّيل والنهار