تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
عالية ، وفيما هناك عمّا أنتم فيه عافية ، فإذا الحذر من الخصومات ومثارات الفتن احدى فوايد العزلة . الفائدة الرابعة الخلاص من شر الناس فانّهم يؤذونك مرّة بالغيبة ، ومرّة بسوء الظن والتّهمة ، ومرّة بالاقتراحات والأطماع الكاذبة التي يعسر الوفاء بها ، وتارة بالنميمة والكذب ، فربما يرون منك من الأعمال أو الأقوال مالا تبلغ عقولهم كنهه فيتخذون ذلك ذخيرة يدّخرونها لوقت تظهر فيه فرصة للشر ، فإذا اعتزلتهم استغنيت من التّحفظ عن جميع ذلك . ولذلك قال بعض الحكماء لغيره : اعلَّمك بيتين خير من عشرة آلاف دراهم ، قال : ما هما قال :
اخفض الصّوت إن نطقت بليل والتفت بالنّهار قبل المقال ليس للقول رجعة حين يبدو بقبيح يكون أو بجمال
ولا شكّ أنّ من اختلط بالنّاس وشاركهم في الأعمال لا ينفكّ من حاسد وعدوّ يسئ الظَّن به ويتوهّم انه يستعدّ لمعاداته ونصب المكيدة عليه وتدسيس غائلة ورائه ، والنّاس مهما اشتدّ حرصهم على أمر يحسبون كلّ صيحة عليهم هم العدوّ وقد اشتدّ حرصهم على الدّنيا فلا يظنّون بغيرهم إلَّا الحرص عليها قال المتنبي :
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدّق ما يعتاده من توهّم وعادى محبّيه بقول عدائه فأصبح في ليل من الشّك مظلم
وقد قيل : معاشرة الأشرار تورث سوء الظَّن بالابرار ، وأنواع الشر الَّذى يلقاه الانسان من معارفه وممّن يختلط به كثيرة ، ولا حاجة إلى تفصيلها وفي العزلة خلاص من جميعها . وعن الحسن عليه السّلام أنه أراد الحجّ فسمع بذلك ثابت البناني فقال له : بلغني أنك تريد الحجّ فأحببت أن أصحبك ، فقال له الحسن عليه السّلام : ويحك دعنا نتعاشر بستر اللَّه علينا إنّي أخاف أن نصطحب فيرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه . وهذه إشارة إلى فايدة أخرى في العزلة ، وهو بقاء السرّ على الدّين والمروّة