تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
وأما مسارقة الطبع مما يشاهده من اخلاق النّاس وأعمالهم فهو داء دفين قلَّما يتنبّه له العقلا فضلا عن الغافلين ، فلا يجالس الانسان فاسقا مدّة مع كونه منكرا عليه في باطنه إلَّا ولو قاس نفسه إلى ما قبل مجالسته لأدرك بينهما تفرقة في النفرة عن الفساد ، فاستثقاله إذ يصير الفساد بكثرة المشاهدة هينا على الطبع فيسقط وقعه واستعظامه له ، وإنّما الوازع عنه شدّة وقعه في القلب ، فإذا صار مستصغرا بطول المشاهدة أو شك أن تنحلّ القوّة الوازعة ويذعن الطبع للميل إليه أو لما دونه ومهما طالت مشاهدته للكبائر من غيره استصغر الصّغاير واستحقرها من نفسه . ولذلك يزدرى إلى الأغنياء نعمة اللَّه عليه ، فتؤثر مجالستهم في أن يستصغر ما عنده وتؤثر مجالسة الفقراء في استعظام ما أبيح له من النعم وكذلك النظر إلى المطيعين والعاصين وهذا تأثيره في الطبع . فمن يقصر نظره على ملاحظة أحوال أولياء الدّين والسّلف الصّالحين في العبادة والمجاهدة والزّهد عن الدّنيا لا يزال ينظر إلى نفسه بعين الاستصغار ، وإلى عبادته بعين الاستحقار فيجتهد في العبادة ويرغب في الطاعة ويزهد في الدّنيا استكمالا واستتماما للاقتداء بهم والحذو بمثلهم ومن نظر إلى غالب أهل الزمان ورأى اعراضهم عن اللَّه وإقبالهم على الدّنيا واعتيادهم المعاصي استعظم أمر نفسه بأدنى رغبة في الخير يصادفها في قلبه ، وذلك هو الهلاك ويكفى في تغيير الطبع مجرّد سماع الخير والشّر فضلا عن مشاهدته . فبهذه النكتة يعرف سرّ قوله : عند ذكر الصّالحين ينزل الرّحمة ، وإنّما الرّحمة دخول الجنة ولقاء الحقّ ، ولا ينزل عند ذكر الصّالحين عين ذلك ولكن سببه الذي هو انبعاث الرغبة من القلب وحركة الحرص على الاقتداء بهم والاستنكاف عمّا هو ملابس له من القصور والتقصير ، ومبدء الرحمة فعل الخير ومبدء فعل الخير الرغبة ومبدء الرغبة ذكر أحوال الصّالحين فهذا معنى نزول الرحمة . ويفهم من فحوى ذلك أنّ عند ذكر الفاسقين تنزل اللعنة ، لأنّ كثرة ذكرهم تهوّن على الطبع أمر المعاصي واللعنة هي البعد من الحقّ ومبدء البعد هو المعاصي