تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩

وروى انّ عيسى عليه السّلام كوشف بالدّنيا فرآها في صورة عجوز هتماء ( 1 ) عليها من كلّ زينة فقال عليه السّلام لها : كم تزوّجت قالت : لا أحصيهم ، قال فكلَّهم مات عنك أم كلَّهم طلَّقك قالت : بل كلَّهم قتلت ، فقال عيسى عليه السّلام : بؤسا لأزواجك الباقين كيف لا يعتبرون بأزواجك الماضين ، وكيف تهلكينهم واحدا بعد واحد ولا يكونون منك على حذر . ثمّ نبّه عليه السّلام على عيب لها آخر بقوله ( والمبلية لأجسادكم وان كنتم تحبّون تجديدها ) وهذا الوصف أيضا منفّر عنها ، لأنّ تجديد الأجساد والأبدان إذا كان محبوبا للانسان وكانت الدّنيا حائلة بينه وبين محبوبه مانعة له عن نيله ووصوله بسهام الأسقام ونشاشيب الأمراض والأوصاب فمن شأنها أن تبغض وترفض وتجتنب ولا تحب . قال بعض الحكماء : الأيّام سهام والنّاس أغراض والدّهر يرميك كلّ يوم بسهامه ، ويخترمك بلياليه وأيّامه ، حتى يستغرق جميع أجزائك ، فكيف بقاء لسلامتك مع وقوع الأيام بك ، وسرعة الليالي في بدنك ، لو كشف لك عما أحدثت الأيام فيك من النّقص لا ستوحشت من كلّ يوم يأتي عليك ، واستثقلت ممرّ الساعات بك ، ولكن تدبير اللَّه فوق تدبير الاعتبار . ثمّ ضرب عليه السّلام للدّنيا مثلا في قصر مدّتها بقوله ( فانّما مثلكم ومثلها كسفر سلكوا سبيلا فكأنّهم قد قطعوه ، وأمّوا علما فكأنهم قد بلغوه ) جعل أهل الدّنيا والكائنين فيها بمنزلة المسافرين ، جعلها بمنزلة سبيل يسلكه المسافر ، وجعل سرعة سيرهم وانتقالهم فيها وقربهم من الموت الذي هو آخر منازلها بمنزلة قطع المسافر منازله ، وبلوغ قاصد علم ومنار مقصده ، يعنى أنهم في حالكونهم غير قاطعين له كأنّهم قاطعون له ، وفي حالكونهم غير بالغين له كأنهم بالغون له ، لأنه لما قرب زمان احدى الحالتين من زمان الحالة الأخرى شبّهوا وهم في الحال الأولى بهم أنفسهم وهم على الحالة الثّانية ولنعم ما قيل

يا راقد اللَّيل مسرورا بأوّلها إنّ الحوادث قد يطرقن أسحارا
هامش
( 1 ) أي الساقطة أسنانها أو المنكسرة ثناياها من أصولها .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 149 | حبيب الله الهاشمي الخوئي / سيد إبراهيم الميانجي