والتنفير عنها بذكر معايبها ومثالبها ، وافتتح الكلام بحمد الملك المتعال واستعانة الربّ ذي الجلال لأنّ ذكره سبحانه مفتاح للمطالب ، ووسيلة إلى المآرب فقال : ( نحمده على ما كان ونستعينه من أمرنا على ما يكون ) تخصيص الحمد بما كان والاستعانة بما يكون من حيث إنّ الثّناء على النعمة موقوف ومترتب على وقوعها فيما مضى ، وطلب العون على أمر لا يتصوّر إلَّا فيما يأتي وما هو بصدد أن يفعله ( ونسأله المعافاة في الأديان كما نسأله المعافاة في الأبدان ) فانّ الأديان لها سقم وشفاء كما للأبدان ، ومرض الأولى أشدّ وآكد وتأثيره أكثر وأزيد ، ولذلك قدّم طلب العافية لها ، لأنّ مرض الأبدان عبارة عن انحراف المزاج الحيواني عن حدّ الاعتدال ، ونقصانه يقع على الأعضا والجوارح الظاهرة ، ومرض الأديان عبارة عن ميل القلب عن الصراط المستقيم والمنهج القويم ، وتأثيره يقع على القلب ، وضرره يعود إلى القوّة القدسيّة ونعم ما قيل :
وإذا مرضت من الذّنوب فداوها
بالذكر إنّ الذكر خير دواء
والسّقم في الأبدان ليس بضائر
والسّقم في الأديان شرّ بلاء
( عباد اللَّه أوصيكم بالرفض لهذه الدّنيا التاركة لكم وان لم تحبّوا تركها ) أمر برفض الدّنيا وتركها ونفّر عنها بالتنبيه على أنّها تاركة لكم لا محالة ، مفارقة إياكم وإن كانت محبوبة عندكم عزيزا عليكم فراقها ، فانّ طبعها التّلطف في الاستدراج أوّلا والتّوصّل إلى الاهلاك آخرا ، وهي كامرأة تتزيّن للخطاب حتّى إذا نكحوها ذبحتهم فمن كان ذا بصيرة لا يعقد قلبه على محبّة محبوبة كذلك ، ولا يخاطب امرأة شأنها ذلك .
وقد روى أنّ الصادق عليه السّلام كان يقول لأصحابه : يا بني آدم اهربوا من الدّنيا إلى اللَّه وأخرجوا قلوبكم عنها فإنكم لا تصلحون لها ولا تصلح لكم ولا تبقون لها ولا تبقى لكم هي الخداعة الفجاعة المغرور من اغترّبها ، والمفتون من اطمأنّ إليها ، الهالك من أحبّها وأرادها .