تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
أفنى القرون التي كانت منعمّة كرّ الجديدين إقبالا وإدبارا كم قد أبادت صروف الدهر من ملك قد كان في الدّهر نفّاعا وضرّارا يا من يعانق دنيا لا بقاء لها يمسى ويصبح في دنياه سفارا هلَّا تركت من الدّنيا معانقة حتّى تعانق في الفردوس أبكارا إن كنت تبغى جنان الخلد تسكنها فينبغي لك أن لا تأمن النّارا
( وكم عسى المجري إلى الغاية أن يجرى إليها حتّى يبلغها ) يعني أىّ مدّة يرجو ويطمع المرسل مركوبه إلى وصول غاية ارساله إليها حتى يصلها ، والغرض منه تحقير ما يرجوه من مدّة الجرى وهي مدّة الحياة أي لا تظنّ لها طولا ولا تغترن بتماديها فإنها عن قليل تنقضى وتنصرم ، وفي هذا المعنى قال عليه السّلام في الدّيوان :
إلا إنّما الدّنيا كمنزل راكب أناخ عشيّا وهو في الصّبح راحل
( وما عسى أن يكون بقاء من له يوم لا يعدوه ) يعني ما قرب وجود البقاء لمن له يوم لا يجاوزه ، وهو تحقير لما يؤمل من مدّة البقاء أي بقاء من له يوم ليس وراءه بقاء وهو يوم الموت ليس بشيء يعتدّ به ( و ) الحال انه له ( طالب حثيث يحدوه في الدّنيا حتى يفارقها ) لعلَّه أراد بالطالب الحثيث الموت وكنى بحدائه له عن سوق أسباب الموت ومقدّماته التي هي كرّ اللَّيالي ومرّ الأيام له إليه . وإذا كانت الدّنيا بهذه المثابة ( فلا تنافسوا ) أي لا تحاسدوا ولا تضنّوا ( في عزّ الدّنيا وفخرها ولا تعجبوا بزينتها ونعيمها ولا تجزعوا من ضرّائها وبؤسها ) نهى عن المنافسة فيها والاعجاب بها والجزع منها معلَّلا وجوب الانتهاء عن الأوّل بقوله ( فانّ عزّها وفخرها إلى انقطاع ) وما كان منقطعا لا يحرص عليه لبيب ولا ينافس فيه أريب ، وعلَّل وجوب الانتهاء عن الثاني بقوله ( وزينتها ونعيمها إلى زوال ) وما كان زائلا لا يرغب إليه العاقل ولا يعجب به إلَّا جاهل ، وعن الثّالث بقوله ( وضرّائها وبؤسها إلى نفاد ) وما كان نافدا فانيا أحرى بأن يصبر عليه ولا يجزع منه ( وكلّ مدّة فيها إلى انتهاء ) سواء كانت مدّة عزّ ومنعة أو زينة ونعمة أو ضرّ وشدّة ( وكلّ حىّ فيها إلى فناء ) سواء كان ذي شرف ورفعة أو ذلّ ومحنة أو ابتهاج ولذّة