تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
البريّة وإبداع المبدعات ضرب الخلق في صور كالهباء قبل وجود الأرض والسماء وهو سبحانه في انفراد ملكوته وتوحّد جبروته ، فأشاع نورا من نوره فلمع ، وقبأ من ضيائه فسطع ، ثمّ اجتمع ذلك النور في وسط تلك الصور الخفية فوافق صورة نبيّنا محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وقال اللَّه له : أنت المختار المنتخب وعندك ثابت نوري وأنت كنوز هدايتي ، ثمّ أخفى الخليقة في غيبه وسترها في مكنون علمه ، ثمّ وسّط العالم وبسط الزمان وموّج الماء وأثار الزبد وأفاج الرّيح ، فطفى عرشه على الماء فسطح الأرض على ظهر الماء ، ثمّ أنشأ الملائكة من أنوار ابتدائها وأنوار اخترعها ، وقرن بتوحيده نبوّة محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ظاهرا فهو أبو الأرواح ويعسوبها كما أنّ آدم عليه السّلام أبو الأجساد وسببها ، ثمّ انتقل النور في جميع العوالم عالما بعد عالم وطبقا بعد طبق وقرنا بعد قرن إلى أن ظهر محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم بالصورة والمعنى في آخر الزمان ، ويطابق هذا الكلام قول عمّي العبّاس بن عبد المطلب رضى اللَّه عنه قال : يا رسول اللَّه أريد أن أمدحك قال : قل لا يفضض الله فاك قال ( ره ) :
من قبلها طبت في الظلال وفي مستودع حيث يخصف الورق ثمّ انبطت البلاد لا بشر أنت ولا مضغة ولا علق بل نطفة تركب السّفين وقد الجمت نسرا وأهله الغرق وردت نار الخليل مكتتما تجول فيها ولست تحترق تنقل من صالب إلى رحم إذا مضى عالم بدا طبق حتّى احتوى بيتك المهيمن من خندف ( 1 ) عليا تحتها النّطق وأنت لمّا ولدت أشرقت الأرض وضاءت بنورك الأفق فنحن في ذلك الضياء وفي النّور وسبل الرّشاد تحترق
( فأخرجه من أفضل المعادن منبتا وأعزّ الأرومات مغرسا ) يحتمل أن يكون المراد بذلك مكَّة زادها اللَّه شرفا لأنها لمّا سمحت بمثله صلوات اللَّه وسلامه عليه صار أجدر بأن تكون أفضل المعادن وأعزّ الأصول ، ويشعر به قوله الآتي : نبتت في حرم ، فافهم .
هامش
( 1 ) خندف وزان زبرج أم مدركة بن الياس أحد أجداد النبىّ واسمها ليلى كما في القاموس ، منه .