* ( ومِنْ آياتِه اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّه الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاه تَعْبُدُونَ ) * أمّا كون الأوّلين آيتين فلأنّ كلّ واحد منهما مضاد للآخر معاند له ، فكونهما متعاقبين على الدوام من أقوى الدّلائل على أنّهما غير موجودين بالذات بل لا بدّ لهما من فاعل يدبِّرهما ويقدّرهما بالمقادير المخصوصة ، مضافا إلى أنّ مقتضى التّضادّ بين الشيئين أن يتفاسد الا أن يتعاونا على سبيل المصالح ، وهما مع تضادّهما وتنافيهما متعاونان على تحصيل منافع الخلق ومصالحهم ، فلو لا اللَّيل لما حصل السكون والراحة ، ولولا النهار لما أمكن الكسب والمعيشة ، ولولا الليل لفسدت الزراعات بالحرارة ، ولولا النّهار لفسدت بالبرودة ، فهما من أقوى الآيات وأظهر البيّنات .
وأمّا كون الآخرين آيتين للصانع ودليلين على وجود القادر المختار فلأنّ الأجسام متماثلة فاختصاصهما بالحركة الدّائمة دون السّكون لا بدّ له من مخصّص ، وأيضا انّ كلّ واحدة من تلك الحركات مختصّة بكيفيّة معيّنة من البطوء والسّرعة فلا بدّ له أيضا من مخصّص على أنّ تقدير تلك الحركات بمقادير مخصوصة على وجه تحصل عوداتها ودوراتها متساوية بحسب المدّة حالة عجيبة وصنعة بديعة لا بدّ لها من مدبّر مقدّر ومبدع مقتدر ، هذا .
وأما المقصود بمحو آية اللَّيل فلهم فيه قولان : أحدهما أنه هو ما يظهر في القمر من الزّيادة والنقصان في النور فيبدو في أوّل الأمر في صورة الهلال ثمّ لا يزال يتزايد نوره حتّى يصير بدرا كاملا ، ثمّ يأخذ في الانتقاص قليلا قليلا وذلك هو المحو إلى أن يعود إلى المحاق .
والثاني أنه هو الكلف في وجه القمر وكونه مطموس النّور ، فإنه بعد ما كان مساويا للشمس في الضوء والنّور أرسل الله جبرئيل فأمرّ جناحه على وجهه فطمس عنه الضوء ، ومعنى المحو في اللَّغة إذهاب الأثر ، وقد استظهرنا هذا القول في التذييل
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 355
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٥٥