ثناء النّاس له وفرحه بتفرّده بها ، فإذا رأى مشاركا له فيها سائه ذلك ، وهو غالب في العلماء السّوء فانّهم يحبّون أن يكونوا مرجعا للنّاس وملجئا ، ويكون تردّدهم إليهم ولا يرضون بمشاركة الغير لهم .
ومن هذا الباب كان حسد علماء اليهود لرسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله ، فانّهم كانوا ينكرون معرفته ولا يؤمنون به خيفة من أن تبطل رياستهم واستتباعهم مهما نسخ علمهم .
ومنه أيضا كان حسد الخلفاء الثلاثة لأمير المؤمنين عليه السّلام مضافا إلى العداوة والبغضاء التي كانت فيهم وغير ذلك من الأسباب السابقة ، إذ لا امتناع في اجتماع الأسباب المتعدّدة .
والفرق بين هذا القسم وسابقه اشتراط التّزاحم على المقصود في السّابق دون ذلك ، إذ ربّما ترى عالما أو صانعا يختصّ بفنّ مخصوص من العلم أو الصّناعة يمدحه النّاس بأنه فريد دهره ووحيد عصره في ذلك الفنّ أو الصّناعة ، فانّه لو سمع في أقصى البلاد بنظير له فيه لساءه ذلك وأحبّ موته أو زوال النّعمة عنه .
وأمّا خبث النّفس فالحسد بذلك خارج عن جميع الأقسام السّابقة ، فانّك ترى من النّاس من ليس غرضه في رياسة ولا تعزّز ولا تكبّر إذا وصف عنده حال عبد من عباد اللَّه فيما أنعم اللَّه به عليه يشقّ عليه ذلك وإذا وصف له اضطراب أمور النّاس وإدبارهم يفرح بذلك ، فهو دائما يحبّ الادبار لغيره ويبخل بنعم اللَّه على عباده كانّهم يأخذونها من ملكه وخزانته ، وليس لذلك سبب ظاهر إلَّا خبث النّفس وشقائها ورذالة الطبع ودنائته ومعالجته شديدة إذ الحسد الثابت بساير الأسباب أسبابه عارضة يتصوّر زوالها ويرجى إزالته ، وهذا ناش من خبث الطَّينة وسوء السريرة فيعسر زواله وإلى ذلك ينظر ما قيل .
كلّ العداوة قد ترجى إماطتها ( 1 ) إلَّا عداوة من عاداك من حسد
وهذه هي أسباب الحسد وقد يجتمع بعضها أو أكثرها أو جميعها في شخص فيشتدّ حسده ويتضاعف ، وأكثر المحاسدات تجتمع فيها جملة من هذه الأسباب وقلَّما
هامش
( 1 ) الإماطة الابعاد .