بحر المعرفة وعدم الضّيق فيه ، بل المعلوم الواحد يعلمه ألف ألف عالم ويفرح بمعرفته ويلتذّ به ولا ينتقص لذّة أحدهم بسبب غيره ، بل يحصل بكثرة العارفين ثمرة الإفادة والاستفادة والانس والصّحبة ، وغرضهم إنّما هو تحصيل المنزلة عند اللَّه والزّلفى لديه وما عند اللَّه أعظم من أن يضيق على الطَّالبين ولا يسع الرّاغبين ، إذ البحر لا ينفد بالقطر ، والشّمس لا ينقص بالذّر ، وليس كمال الدّنيا إذا وقع في يد أحد خلت عنه يد الآخر أو كجاهها إذا اتّصف به شخص حرم عنه غيره ، إذا لجأه عبارة عن ملك القلوب ومهما امتلاء قلب شخص بتعظيم عالم انصرف عن تعظيم الآخر أو نقص عنه لا محالة فيكون سببا للمحاسدة .
وبالجملة فنعمة العارف وجنّته معرفته الَّتي هي صفة ذاته ، وهو دائما يجنى ثمارها ويغتذي بفواكهها ، وهي فاكهة غير مقطوعة ولا ممنوعة بل قطوفها دانية وإن غمض العين الظاهرة فروحه ترتع كلّ الأوقات في جنّة عالية ورياض زاهرة وكثرتهم لا يوجب تحاسدهم بل كانوا كما قال ربّ العالمين : * ( ونَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ) * وهذا حالهم وهم في الدّنيا فما ظنّك بهم إذا انكشف عنهم الغطاء وشاهدوا المحبوب في العقبى فأهل العرفان واليقين برآء من الحسد في الدّنيا والآخرة جميعا ، بل الحسد من صفات المبعدين عن سعة علَّيين إلى ضيق سجّين ، ولذلك وسم به الشّيطان اللَّعين ، حيث أظهر الحسد والبغضاء لما رأى اختصاص آدم بالخلافة والاحتباء ولمّا دعى إلى السجود استكبر وأبى ، وتمرّد وعصى ، فاستحقّ الجحيم وقيل له : * ( قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ ) * .
وإذا عرفت أنّ منشأ الحسد هو التّوارد على مقصود يضيق عن الوفاء لمن ابتغى فعليك بمقصد لا تزاحم فيه أصلا ولذّة لانفاد لها ونعمة لا زحمة فيها ولا يوجد ذلك في الدّنيا إلَّا في معرفة الحقّ تعالى ومعرفة صفاته العلياء وإن لم تكن تشتاق .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 159
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٥٩