وضرّهم وخيرهم وشرّهم للزوم حاجتهم في الذّوات والصّفات وجميع الحالات إليه ورفع أيدي الامكان والافتقار لهم من جميع الجهات بين يديه .
ولعلّ لفظ القلَّة في الحديث إشارة إلى صدور الامتناع عن بعضهم قليلا فيما أراد منهم من أفعالهم الاختيارية ، وليس ذلك لقهرهم وغلبتهم عليه ، بل لأنه تركهم على حالهم ولم يجبرهم تحقيقا لمعنى التّكليف والاختيار .
وقوله عليه السّلام لم يخرج منه طرفة عين أن يقول أه حال عن فاعله أو عن فاعل أراد ، وضمير منه راجع إليه ، وأن يقول فاعل لم يخرج يعني لم يخرج منه سبحانه في سلطانه على الخلق وقهره عليهم طرفة عين قول كن فيكون ، فهو إشارة إلى أنّه قاهر دائما ولا يصير مقهورا أبدا ، وفيه تنبيه على أنّ الممكن في بقائه يحتاج إليه سبحانه كما يحتاج إليه في وجوده .
قال بهمنيار في محكَّى كلامه : إنّ كلّ ممكن بالقياس إلى ذاته باطل وبه تعالى حقّ يرشد إليه قوله : كلّ شيء هالك إلَّا وجهه فهو آنافآنا يحتاج إلى أن يقول له الفاعل الحقّ كن ويفيض عليه الوجود بحيث لو أمسك عنه هذا القول والإفاضة طرفة عين لعاد إلى البطلان الذاتي والزّوال الأصلي كما أنّ ضوء الشمس لو زال عن سطح المستضيء لعاد إلى ظلمته الأصليّة .
( والقوّة على كلّ شيء ) وهو أيضا يعود إلى تمام القدرة ، وليس المراد به قوّة البطش المعروف من المخلوق الذي هو الأخذ الشديد عند ثوران الغضب والتناول عند الصّولة أو قوّة التّعلَّق بالشيء وأخذه على الشّدة ، لأنّ القوّة بهذا المعنى من الصّفات الجسمانية كالقوّة الشّهوية والغضبيّة وقابلة للزّيادة والنقصان ، فلا يمكن اتّصاف الواجب القديم بذلك بالبديهة والعيان ، لكونه من صفات الامكان كما مرّ تفصيلا وتحقيقا في شرح الخطبة الرّابعة والستين .
ثمّ إنّه عليه السّلام لمّا أشار إلى أنّه سبحانه عالم بما في الصّدور وغالب على كلّ مقدور وكان ذلك مقتضيا لانجذاب الخلق إليه ليفوزوا بما لديه علما منهم بأنّه سبحانه طالب كلّ راغب ومدرك كلّ هارب أمر بعد ذلك بالطاعات وحذّر عن
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 129
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٢٩