تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
* ( أَلا إِنَّه بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ) * . وقد مضى تفسيرها في شرح الفصل السابع من الخطبة الأولى ( والغلبة لكلّ شيء ) كما قال سبحانه : * ( والله غالِبٌ عَلى أَمْرِه ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) * . وقد مرّ بعض القول في غالبيّته في شرح الخطبة الرابعة والسّتين وأقول هنا إنّ معنى غلبته بكلّ شيء يعود إلى تمام قدرته عليه وكونه قاهرا على جميع الأشياء ، وليس قهره تعالى وغلبته على نحو ما يتصوّر فينا ، بل على معنى آخر . كما أشار إليه أبو الحسن الرّضا عليه السّلام في حديث الكافي بقوله : وأمّا القاهر فليس على معنى نصب وعلاج واحتيال ومداراة ومكر كما يقهر العباد بعضهم بعضا والمقهور منهم يعود قاهرا والقاهر يعود مقهورا ، ولكن ذلك من اللَّه تعالى على أنّ جميع ما خلق ملبّس به الذلّ لفاعله وقلَّة الامتناع لما أراد به لم يخرج منه طرفة عين أن يقول له كن فيكون والقاهر منّا على ما ذكرت ووصفت . توضيحه أنّ اللَّه سبحانه لا يحتاج في قهره وغلبته إلى عمل وآلة ومدافعة وتعب وخديعة ومخالطة وحيلة كما يحتاج العباد في قهر بعضهم بعضا إلى ذلك ، إذ هذه كلَّها من صفات النّقص وزايدة على الذّات ومن العوارض الَّتي يجوز انفكاكها عن المعروض فيجوز أن يكون القاهر في وقت ما لوقوع تدبيره على وفق مطلوبه مقهورا في وقت آخر لعدم وقوع تدبيره على وفق مقصوده أو لوقوع تدبير المقهور على نحو ارادته وغلبته على تدبير القاهر كما هو المشاهد في تدبيرات السّلاطين والملوك وساير النّاس . بل قاهريّته سبحانه عبارة عن ذلّ الخلايق لفاعلهم القديم ودخولهم في استكانة الامكان تحت غلبته واحتياجهم في أسر الحاجة إلى كمال قدرته بحيث لا يقدرون على الامتناع لما أراد من ذواتهم وصفاتهم وهيئاتهم ومقاديرهم وكمالاتهم ونفعهم