تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
قال بعض العارفين : هو الآخر بمعنى أنه غاية القصوى تطلبها الأشياء والخير الأعظم الَّذي يتشوّقه الكلّ ويقصده طبعا وإرادة ، والعرفاء المتألَّهون حكموا بسريان نور المحبّة له والشوق إليه سبحانه في جميع المخلوقات على تفاوت طبقاتهم وأنّ الكاينات السّفلية كالمبدعات العلويّة على اغتراف شوق من هذا البحر العظيم واعتراف شاهد مقرّ بوحدانيّة الحقّ القديم . فهو الأوّل الذي ابتدء أمر العالم حتّى انتهى إلى أرض الأجسام والأشباح وهو الآخر الذي ينساق إليه وجود الأشياء حتى يرتقى إلى سماع العقول والأرواح وهو آخر أيضا بالإضافة إلى سير المسافرين ، فإنهم لا يزالون مترقّين من رتبة إلى رتبة حتى يقع الرجوع إلى تلك الحضرة بفنائهم عن ذواتهم واندكاك جبال هويّاتهم ، فهو تعالى أوّل من حيث الوجود ، وآخر من حيث الوصول والشهود ، وقيل أوليّته أخبار عن قدمه وآخريّته اخبار عن استحالة عدمه . وفي الكافي بإسناده عن ميمون البان قال : سمعت أبا عبد الله عليه السّلام وقد سئل عن الأوّل والآخر فقال عليه السّلام : الأوّل لاعن أوّل قبله ولا عن بدىء سبقه ، والآخر لا عن نهاية كما يعقل عن صفات المخلوقين ولكن قديم أوّل آخر لم يزل ولا يزول بلا بدىء ولا نهاية لا يقع عليه الحدوث ولا يحول من حال إلى حال ، خالق كلّ شيء ويأتي إنشاء الله شرح هذا الحديث في شرح الخطبة المأة . ( لا تقع الأوهام له على صفة ) أراد عليه السّلام أنه لا تناله الأوهام ولا تلحقه فتقع منه على صفة إذ الوهم لا يدرك إلَّا ما كان ذا وضع ومادّة ، فأمّا الأمور المجرّدة عن الوضع والمادّة فالوهم ينكر وجودها فضلا أن يصدق في اثبات صفة لها ، والباري سبحانه مع بساطه ذاته وتجرّده ليس له صفة زايدة حتّى يدركه الأوهام أو تصفه بصفة ، وقد مرّ بعض القول في ذلك في شرح الفصل الثّاني من الخطبة الأولى . ( ولا تعقد القلوب منه على كيفيّة ) إذ ليس لذاته تعالى كيفيّة حتّى تعقد عليها القلوب فلا يعرف بالكيفوفية ، وتحقيق ذلك يتوقّف على معرفة معنى الكيف فنقول : إنّ الكيف كما قيل هي هيئة قارّة في المحلّ لا يوجب اعتبار