ما يبقى لكم بما يزول عنكم ) وهو أمر بشراء الآخرة بالدّنيا وتوصيف المبتاع بالبقاء والثّمن بالزّوال ترغيبا وتحريصا ، إذ تبديل الزّايل بالباقي بيعة رابحة وكفة راجحة لا يرغب عنها العاقل ، واستعمال المبايعة في هذه المبادلة والمعاوضة غير عزيز قال سبحانه : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ، تُؤْمِنُونَ بِالله وَرَسُولِه ِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ ا للهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) * واعلم أنّ البيع اعتماده على أركان أربعة : البايع ، والمشتري ، والثّمن ، والمثمن فالثّمن كما علمت هو متاع الحياة الدّنيا الفانية ولذايذها النّفسانية ، والمبتاع نعيم الآخرة الباقية والجنّة التي أكلها دائم وظَّلها ، والمشترى هو العبد ، ومعلوم أنّ البايع لا بد أن يكون هو اللَّه سبحانه إذ هو مالك ملك السّماوات والأرض وله الآخرة والأولى ، وله الجنّة المأوى .
فقد شبه عليه السّلام دار الدّنيا بسوق تجارة عرض اللَّه فيها متاع الآخرة للبيع وليس في يد الخلق إلَّا دراهم زيفة مغشوشة وهي زينة الحياة الدّنيا ، فأمر بابتياع ذلك المتاع بتلك الدّراهم ، فمن كان له عقل وكياسة امتثل ذلك الأمر فربح وفاز فوزا عظيما ومن كان ذا حمق وجهالة تضرّ وخاب فخسر خسرانا مبينا وقد وقع الإشارة إلى تلك التّجارة وما فيها من الرّبح العظيم والمنفعة الكثيرة في قوله سبحانه : * ( إِنَّ ا للهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ ا للهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْه ِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِه ِ مِنَ ا للهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِه ِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) * .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 397
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٩٧