وجلالة قدرها وكثرة ربحها ( وترّحلوا فقد جدّ بكم ) وهو أمر بقطع منازل السّفر إلى اللَّه وسلوك الطرق الموصلة إلى رضوان اللَّه معلَّلا بأنّكم حثثتم على هذا السير والسّلوك وعجلتم على طىّ هذه المنازل ، فشبه عليه السّلام ، الدّنيا بمنزل ينزل فيه قافلة ليستريحوا ساعة ثمّ ينادى فيهم بالرّحيل .
ونظيره ما يأتي منه عليه السّلام في أواخر الكتاب قال : تغرّ وتضرّ وتمرّ إنّ اللَّه لم يرضها ثوابا لأوليائه ولا عقابا لأعدائه وإنّ أهل الدّنيا كركب بيناهم حلَّوا أن صاح بهم سايقهم فارتحلوا ، وقال عليه السّلام في الدّيوان المنسوب إليه .
تزوّد من الدنيا فانّك راحل
وبادر فانّ الموت لا شك نازل
ألا إنّما الدنيا كمنزل راكب
أراح عشّيا وهو في الصّبح راحل
فان قلت : ظاهر التّشبيه يعطى أنّ للنّاس في دار الدنيا مناديا ينادي فيهم الرّحيل وآمرا يأمرهم بالسّير والتعجيل ، فمن ذلك المنادي ، وما المراد بذلك الأمر .
قلت يحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى الملك المأمور بالنداء من جانب اللَّه سبحانه كما ورد في حديث أبي جعفر عليه السّلام ، وفي الديوان :
له ملك ينادى كلّ يوم
لدوا للموت وابنوا للخراب
ويحتمل أن يكون كناية عن توارد الأسباب التي تعدّ المزاج للفساد وتقربه إلى الآخرة وإلى ذلك أشار عليه السّلام في الدّيوان أيضا بقوله :
إلى م تجرّ أذيال التّصابى
وشيبك قد نضا برد الشباب
بلال الشّيب في فوديك نادى
بأعلى الصّوت حيّ على الذّهاب
خلقت من التّراب وعن قريب
تغيب تحت أطباق التّراب
طمعت إقامة في دار ظعن
فلا تطمع فرجلك في الركاب
وأرخيت الحجاب فسوف يأتي
رسول ليس يحجب بالحجاب
أعامر قصرك المرفوع اقصر
فانّك ساكن القبر الخراب
( واستعدّوا للموت فقد أظلكم ) أي تهيّئوا له فانّه قريب منكم وأشرف عليكم كانّه أوقع ظلاله على رؤوسكم ، والتّهيؤ له إنّما يحصل بالعلم بانّ أمامه طريقا