تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
تقليل وتحقير لما بقي منها لكلّ شخص شخص من النّاس ، فانّ بقاء ماله على حسب بقائه فيها وبقاء كلّ شخص فيها يسير ووقته قصير ، واستعار لفظ السّملة لبقيتها وشبهها بقيّة الماء في الإداوة وبجرعة المقلة ، ووجه الشّبه ما أشار إليه بقوله : لو تمزّزها الصّديان لم ينقع ، أي كما أنّ العطشان الواجد لبقيّة الماء في الإداوة أو الجرعة لو تمصّصها لم ينقع عطشه ، كذلك طالب الدّنيا المتعطش إليها الواجد لبقيّة عمره ولليسير من الاستمتاع فيه بلذّات الدّنيا لا يشفى ذلك غليله ولا يسكن عطشه . ثمّ أنّه بعد التّنبيه على تحقير الدّنيا والتّنفير عنها أمر بالرّحيل عنها بقوله ( فازمعوا عباد اللَّه الرّحيل عن هذه الدّار المقدور على أهلها الزوال ) يعنى إذا كانت الدّنيا بهذه المثابة من الدّنائة والحقارة معقبة صفوها للكدورة متغيّرة حلاوتها إلى المرارة فلا بدّ لكم من العزم على الرّحيل عنها بقطع العلايق الدّنيوية عن القلب والاقبال إلى اللَّه والرغبة إلى رضوان اللَّه مع ما قدّر في حقّ أهلها من الزّوال وكتب لسكانها من الرّحيل والانتقال ، أفلا تنظر إلى الأمم الماضية والقرون الفانية وإلى من عاشرتهم من صنوف النّاس وشيّعتهم إلى الأرماس كيف اخترمتهم أيدي المنون من قرون بعد قرون ، أولا تعتبر ممّن مضى من أسلافك ومن وارته الأرض من الافّك ، ومن فجعت به من اخوانك ونقلت إلى دار البلا من أقرانك .
فهم في بطون الأرض بعد ظهورها محاسنهم فيها بوال دواثر خلت دورهم منهم واقوت عراصهم وساقتهم نحو المنايا المقادر وخلوا عن الدّنيا وما جمعوا لها وضمّتهم تحت التّراب الحفاير
( و ) بعد ما اعتبرت بما رأيته من الأهلين والاخوان ، وادّكرت بما شاهدته من الأمثال والأقران فالبتة ( لا يغلبنكم فيها الأمل ولا يطولنّ عليكم ) فيها ( الأمد ) أي لا تتوّهم طول مدة البقاء فيها مع ما شاهدت من قصر مدّتها وقرب زوالها . والفصل الثاني متضمّن للتّنبيه على عظيم ثواب اللَّه وعقابه ، فانّه بعد ما نبّه على تحقير الدّنيا والتّحذير عنها وأمر بالعزم على الجدّ والارتحال أشار إلى ما ينبغي أن يهتمّ به