تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
المعنى اعلم انّ مدار هذا الفصل من الخطبة على فصول ثلاثة . الفصل الأول متضمّن للتّنفير عن الدّنيا والتّحذير منها والنّهى عن عقد القلب عليها والأمر بالرّحيل عنها ، وإليه أشار بقوله ( ألا وإنّ الدّنيا قد تصرّمت ) اى انقطعت ( وآذنت بانقضاء ) قد مضى في شرح الخطبة الثّامنة والعشرين والخطبة الثّانية والأربعين ما يوضح معنى هذه الفقرة من كلامه عليه السّلام ، فان رجعت إلى ما ذكرناه هناك تعرف أنّ مراده عليه السّلام من تصرّم الدّنيا وانقطاعها هو تقضى أحوالها الحاضرة شيئا فشيئا وأنّ المراد من إعلامها بالانقضاء هو الاعلام بلسان الحال على ما مرّ تفصيلا . ( وتنكَّر معروفها وأدبرت حذاء ) وهى إشارة إلى تغيّرها وتبدّلها وسرعة انقضائها وادبارها حتّى أنّ ما كان منها معروفا لك يصير في زمان يسير مجهولا عندك وأدنى ما هو شاهد على ذلك هو حالة شبابك الذي كنت انس إليه متبهجا به كيف طرء عليها المشيب في زمان قليل :
فولَّى الشّباب كأن لم يكن وحلّ المشيب كأن لم يزل كأنّ المشيب كصبح بدا وأمّا الشّباب كبدر أفل
( فهي تحفز بالفناء سكَّانها ) اى تعجلهم وتسوقهم أو تطعنهم برماح الفناء وتدفعهم من خلفهم حتّى توقعهم في حفرتهم ( وتحدو بالموت جيرانها ) حتّي توصلهم إلى دار غربتهم ، أفلا ترى إلى السّلف الماضين والأهلين والأقربين كيف توالت عليهم السّنون وطحنتهم المنون وفقدتهم العيون ، أو لا ترى إلى الملوك والفراعنة والأكاسرة والسّياسنة كيف انتقلوا عن القصور وربات الخدور إلى ضيق القبور .
باتوا على قلل الجبال تحرسهم غلب الرّجال فلم ينفعهم القلل واستنزلوا بعد عزّ عن معاقلهم إلى مقابرهم يابئس ما نزلوا ناداهم صارخ من بعد ما دفنوا أين الأسرة والتّيجان والحلل أين الوجوه التّي كانت محجّبة من دونها تضرب الأستار والكلل